اي “ارهاب” ستحارب القوات العربية المشتركة الذي يريد الرئيس السيسي تشكيلها واقناع السعودية بتمويلها؟ هل هو ارهاب “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية ام الارهاب الاسرائيلي؟ واين سيكون التدخل الاول لها: ليبيا ام قطاع غزة؟

عبد الباري عطوان

عشية توجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى الرياض في اول زيارة رسمية له للقاء العاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز نشرت الزميلة “الحياة” تقريرا مطولا على صدر صفحتها الاولى قالت فيه ان القضية الرئيسية التي ستتصدر جدول اعمال اللقاءات بين العاهل السعودي وضيفه المصري هي اقتراح مصري بتشكيل قوى عسكرية عربية مشتركة لمكافحة الارهاب، وترتكز على معاهدة الدفاع العربي المشترك.

المناطق الساخنة التي ستكون محور تدخل هذه القوات التي ستتضمن قوات خاصة وخلايا استخبارية وغطاء جوي مكثف هي ليبيا وسورية والعراق، وسيتم تشكيل مجلس عسكري مشترك للاشراف على قيادتها وتحديد اهدافها ونوعية تدريباتها وتسليحها.

وكان لافتا ان الدكتور نبيل العربي الذي نقل البندقية من الكتف الخليجي الايمن الى الكتف المصري الايسر بطرفة عين، وبمجرد اطاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، بدأ جولة عربية انطلاقا من الكويت للترويج لهذا المشروع المصري الجديد وشرح ابعاده للحكومات العربية.

***

لم تقل لنا التسريبات المصرية للمشروع الجديد وتفاصيله ما هو مفهومها للارهاب، ومن هي الجماعات الارهابية التي ستتدخل القوات العربية المشتركة لمحاربتها، فهل هي “الدولة الاسلامية” ام “جبهة النصرة” ام “انصار الشريعة” وولايتي درنة وسرت في ليبيا؟

والسؤال الآخر الذي لا يقل اهمية هو عن الدول التي ستشارك في هذه القوات المشتركة، وحجم هذه المشاركة ونوعيتها، فهل ستكون قوات برية ام جوية، ام خاصة، وما هي علاقتها، اي القوات المشتركة، بالتحالف الامريكي الستيني، فهل ستكون تابعة له، او فرعا من فروعه، او اداته العربية الضاربة بريا وجويا؟

نعترف بأننا لا نملك اجابات قاطعة في هذا الاطار، فالمشروع ما زال قيد الدرس والمناقشة، ولكن ما يمكن ان نتكهن به، ان هذه القوات المشتركة، التي ستشكل تحالفا عسكريا جديدا يعتمد على ركنين اساسيين، الاول مصري، والثاني سعودي، قد يكون الهدف غير المعلن منه هو التدخل في بلدين اساسيين، الاول ليبيا للقضاء على الجماعات الاسلامية المتشددة (الدولة الاسلامية والقاعدة)، والثاني اليمن للتصدي لتمدد تنظيم “انصار الله الحوثي”، وربما يتم بعد ذلك الانتقال الى سورية والعراق لمواجهة قوات “الدولة الاسلامية”.

الرئيس المصري يدرك جيدا حجم القلق الرسمي السعودي من “التمدد” الحوثي الشيعي على حدوده الجنوبية، مثلما يدرك خطورة التمدد “السني” على حدوده الشمالية ايضا، ولذلك اراد توفير الغطائين المالي والسياسي السعوديين لمشروعه الجديد الذي يعطي الاولوية القصوى للتدخل عسكريا في ليبيا، وبدأ بغارات جوية للطيران الحربي المصري على اهداف للاسلاميين المتشددين في “ولاية درنة”.

ليبيا تشكل مصدر قلق امني عالي المستوى بالنسبة الى النظام المصري لانها في ظل تحولها الى دولة فاشلة منذ اطاحة العقيد معمر القذافي، باتت غابة سلاح ومرتعا للميليشيات الاسلامية، ونجح تنظيم “الدولة الاسلامية” في الاشهر الاخيرة في نصب خيامه فيها، مستفيدا من تكرار السيناريو العراقي، اي تحول المئات من شباب القبائل الذين تم اقصاؤهم وتهميشهم بذريعة انتمائهم الى النظام السابق وولائهم له، الى التشدد الاسلامي، وتبني ايديولوجية “الدولة الاسلامية”، وهذا يتضح في تحول مدينتي سرت وبني الوليد معقل قبيلتي ورفلة والمقارحة الى اول قاعدتين لهذه الدولة.

“الدولة الاسلامية” باتت مثل كرة الثلج في ليبيا، تكبر وتتدحرج يوما بعد يوم، والنظام المصري يستشعر خطرها، ليس على ليبيا وحليفه الاوثق فيها الجنرال خليفة حفتر الذي حققت قواته انتصارات كبيرة على الاسلاميين المتشددين في الشرق الليبي، وانما على امن واستقرار مصر.

صحيح ان “الدولة الاسلامية” موجودة في اطراف “ولاية سيناء” وتخوض حربا شرسة ضد القوات المصرية فيها، ولكن يظل خطر نظيرتها في الغرب الليبي، لسبب جوهري، لان هناك مجرى مائي (قناة السويس) تفصل سيناء عن العمق المصري، بينما هناك حدود مفتوحة يزيد طولها عن الالف كيلومتر بين ليبيا ومصر غير محمية، وتشكل بيئة خصبة ملائمة للتهريب بأنواعه كافة.

جميل ان يتذكر الرئيس السيسي ومضيفة العاهل السعودي اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي ماتت وشبعت موتا، وتحولت عظامها الى رميم، وان يفكران باعادة الحياة اليها على شكل قوات تدخل سريع عربية، ولكن ما نلاحظه ان عملية الاحياء هذه تتناقض كليا مع جوهر هذه الاتفاقية والاسباب التي انشئت من اجلها اي مواجهة الخطر الاسرائيلي ومحاولات العدوان الغربي الاخرى مثل العدوان الثلاثي على قناة السويس.

فأي قوات عربية مشتركة لا يكون الهدف الرئيسي من قيامها هو وضع حد للعربدة الاسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان وجنوب لبنان، تظل موضع شكوك الكثيرين في الوطن العربي، ونحن من بينهم، ونقولها دون اي تردد.

***

فالانحراف الرسمي العربي عن القضية العربية المركزية الاولى هو الذي ادى الى حال الانهيار والتفتيت نتيجة للتدخلات العسكرية الامريكية في المنطقة، وبغطاء من الجامعة العربية نفسها التي ستكون المظلة الشرعية للقوات العربية المشتركة، وعلى رأسها التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا.

تأسيس قوات عربية مشتركة للتصدي للمشروع الاستيطاني التوسعي الاسرائيلي سيكون محور موافقة ومباركة كل الدول العربية دون استثناء، ولكن ان تتأسس هذه القوات للتدخل في العراق وسورية واليمن وليبيا فان هذا سيوسع من حالة الانقسام الحالية الطائفية والمناطقية التي تسود المنطقة، فمن المؤكد ان اي تدخل من قبلها (القوات العربية المشتركة) في ليبيا سيجد معارضة من الجزائر وربما تونس ايضا، واذا تدخلت في اليمن ضد الحوثيين ستجد معارضة من العراق وسورية ونصف لبنان ونصف اليمن.

الارهاب خطر يهدد المنطقة بأسرها، لا نجادل مطلقا في هذا المضمار، ولكن اليس الارهاب الاسرائيلي الذي نسيه بعض العرب وبدأوا يتحالفون معه تحت الطاولة هو “الارهاب الام” الذي فرخ كل “الارهابات” الاخرى بطرق مباشرة او غير مباشرة؟

اخيرا لن نفاجأ، اذا ما كانت احد المهمات العاجلة لقوات التدخل السريع العربية التي باتت قيد الانشاء حاليا هو الهجوم على قطاع غزة للقضاء على “ارهاب” المقاومة الاسلامية فيها، الم يضع النظام المصري حركة حماس و”كتائب القسام” على لائحة الارهاب؟

تذكروا جيدا ما نقول ونحذر منه، ومرة اخرى نقول.. الايام بيننا.