الدشاديش الخليجية بدأت تعود للمشهد اللبناني مجددا.. والفضل لامريكا وخريطة طريق رفسنجاني.. وزيارة امير الكويت لايران ستمهد لمرحلة جديدة

 

عندما ترى السياح الخليجيين بدشاديشهم البيضاء الانيقة وغترهم يتدفقون الى بيروت ويحتلون معظم مقاعد مقاهيها ومطاعمها ومولات التسوق الراقية مع اسرهم.. وعندما تقرأ انباء عودة السفير السعودي الى العاصمة اللبنانية بعد غياب لعدة اشهر تجنبا للتفجيرات المضادة، وبعدها مباشرة تتشكل حكومة وفاق برئاسة تمام سلام اللبنانية بعد مماحكات عديدة.. وعندما تخفف كتائب “التويتر” والفيسبوك” من استخدام كلمات مثل “رافضي” و”صفوي” و”مجوسي” فاعلم ان العلاقات الايرانية الخليجية في طريقها الى التحسن التدريجي، وان الانفراج بات وشيكا.

زوار العاصمة اللبنانية بدأوا يرصدون هذه الايام الاسراب الاولى من الطيور الخليجية المهاجرة من قيظ الخليج تحط في شارع الحمراء وعالية، والاشرفية ومناطق اخرى، بعد انقطاع استمر ما يقرب من الثلاثة اعوام، بالتحديد منذ بدء الازمة السورية، واشتعال حرب الاستقطاب الطائفي التي رافقتها، ويلحظون، اي الزوار، علامات البهجة والفرح على وجوه اللبنانيين، لان هذا يعني الامان وانحسار موجة التفجيرات، والسيارات المفخخة، والانتعاش الاقتصادي ولو مؤقتا.

***

تحولان رئيسيان غيرا بعض ركائز معادلة العنف والتوتر في لبنان في الاسابيع القليلة الماضية، واشاعا موجه من التفاؤل حول امكانية نزع فتيل الازمة اللبنانية الى جانب ازمات اخرى في المنطقة:

*الاول: الدعوة التي وجهها الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الى نظيره الايراني محمد جواد ظريف لزيارة المملكة مرفوقة برغبة سعودية في الانخراط في مفاوضات لتسوية الملفات الخلافية بين البلدين.

*الثاني: اعلان دولة الكويت عن قيام اميرها الشيخ صباح الاحمد الصباح بزيارة رسمية الى طهران على رأس وفد كبير يوم 31 ايار (مايو) الحالي تلبية لدعوة من الرئيس الايراني حسن روحاني.

السلطات الايرانية رحبت بدعوة وزير الخارجية السعودي التي كسرت حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، وتستعد لفرش السجاد الاحمر لاستقبال اول رئيس دولة خليجية (امير الكويت) تهبط طائرته في مطار طهران بعد انقطاع استمر عدة سنوات. (سنتحدث لاحقا عن زيارة السلطان قابوس).

الفضل في هذا التحول الكبير يعود الى الولايات المتحدة الامريكية وادارتها الحالية التي وقعت اتفاقا نوويا مؤقتا مع الحكومة الايرانية حول برنامجها النووي في غفلة من الجميع (باستثناء عمان)، الامر الذي دفع الدول الخليجية، والسعودية بالذات، الى مراجعة حساباتها، وتجاوز مرحلة الصدمة باقصى سرعة ممكنة، والسير على الطريق الامريكي نفسه، في تطبيق حرفي للمثل الانكليزي الشهير الذي يقول: اذا لم تستطع هزيمتهم فمن الاسلم ان تنضم اليهم”، ونضيف من عندنا “ولو الى حين”.

زيارة امير الكويت تنطوي على درجة كبيرة من الاهمية ليس من حيث كونها مقدمة لسلسلة من الزيارات القادمة فقط، وانما لان الرجل معروف بقدراته وخبرته الدبلوماسية العالية في حل النزعات اولا، ولانعكاس التوتر الخليجي الايراني بشكل اخطر على بلاده التي تقول الاحصاءات الرسمية ان عدد ابناء الطائفة الشيعية فيها يزيد عن ثلاثين في المئة من مجموع الكويتيين “الاصليين”، وباتوا يشكلون كتلة سياسية ومذهبية لها ثقلها في مؤسسات الدولة السياسية، وقطاعها الاقتصادي وخريطتها الاعلامية.

ومن اللافت ان السيد هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني الاسبق، ورئيس هيئة تشخيص النظام في ايراني، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، اصدر قبل بضعة ايام وثيقة اعتبرها “خريطة طريق” لخل الخلافات الايرانية الخليجية، اقترح فيها بدء المفاوضات حول القضايا الاسهل مثل البحرين ولبنان واليمن ثم الانتقال بعد ذلك الى القضايا الاصعب مثل العراق وسورية.

خريطة طريق السيد رفسنجاني التي تحدثت عنها الصحافة الايرانية باسهاب تقوم على قاعدة “تنظيم الخلافات” تمهيدا لحلها، او بالاحرى “ادارتها” اي تجميدها اولا، ثم تفكيكها الواحدة تلو الاخرى مع وعود ايرانية بالضغط على القيادات البحرينية الشيعية بالانخراط في مفاوضات مع الدولة وتخفيف حدة الاحتجاجات مقابل تشكيل حكومة بحرينية جديدة تستوعب بعض وجوه المعارضة، والنظر في ملف المظالم الاخرى، ثم بعد ذلك يتم الانتقال الى الملف اللبناني وتسهيل عملية انتخاب رئيس جديد خلفا للحالي ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته رسميا بعد ايام معدودة، وفي موازاة ذلك تبدأ المفاوضات حول “الملف الحوثي” في اليمن واشراك الحوثيين ايضا في حكومة يمينية جديدة على غرار التسوية البحرينية.

***

صحيح ان السلطان قابوس بن سعيد زار طهران قبل عام، ولكن زيارته المفاجئة في حينها كانت منصبة على بحث الخلاف الايراني الامريكي، وللتوسط لحل هذا الخلاف بالوسائل السلمية، وحققت هذه الزيارة اختراقا كبيرا في هذا الاتجاه، حيث استضافت سلطنة عمان مفاوضات سرية بين الطرفين لمدة ستة اشهر تمخضت عن الاتفاق النووي، اما زيارة امير الكويت فتتعلق بالخلافات الخليجية الايرانية بالدرجة الاولى وكيفية ايجاد مخارج للازمتين السورية والعراقية الى جانب الازمات الاخرى، وهي تمهيد او تسهيل للمفاوضات السعودية الايرانية الاكثر اهمية في هذا المضمار.

الكثيرون توقعوا صيفا ايرانيا خليجيا ملتهبا، ولكن من الواضح ان هذه التوقعات كانت متسرعة وفي غير محلها لان ما كان في الظاهر شيء والباطن شيء آخر ومن كانوا يصبون الزيت على نار الخلاف بين الطرفين جرى ابعادهم، مثل الامير بندر بن سلطان الذي كان مسؤولا عن الملف الايراني والملفات الاخرى المتفرعة عنه مثل الملفين العراقي والسوري، وانتصار الجناح السعودي الاكثر براغماتية الذي كان يفضل التهدئة على التصعيد والحلول التفاوضية للازمات لان البديل عن هذه الحلول هو حرب ستدمر المنطقة، او قلاقل امنية تهز استقرارها في افضل الاحوال.

الصيف الخليجي سيظل قائظا سياسيا وطقسيا، ولكن بوادر الانفراج بدأت تطل برأسها وتوحي بأن عجلة المفاوضات التي من المقرر ان تبدأ في الدوران التدريجي في الايام المقبلة قد تظل ذروة سرعتها في الخريف ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال “الهدنة الاعلامية” التي نرى انعكاساتها في وسائل اعلام البلدين، والخليجي منه على وجه الخصوص.