الكويت على درب السعودية.. وتجريم الجهاديين وفتح ابواب السجون على مصراعيها امامهم.. وهذه سياسة قد تعطي نتائج معاكسة اكثر خطورة

يبدو ان الدول الخليجية، او معظمها على وجه الدقة، بدأت تراجع سياساتها في سورية، وتمهد تدريجيا للانسحاب من الصراع الدائر على السلطة هناك بين الحكومة والمعارضة المسلحة. فبعد المرسوم الملكي الذي اصدره العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بتجريم اي سعودي يقاتل على ارض خارجية بالسجن من خمس الى عشرين عاما ها هي دولة الكويت تدرس اتخاذ الخطوة نفسها مثلما ورد على لسان نبيل الفضل عضو البرلمان الذي تقدم باقتراح في هذا الصدد.

ولا نعرف اذا كانت قطر ستحذوا الحذو نفسه لانها كانت اكثر الداعمين للجهاد في سورية بالمال والسلاح وما زالت، ونحن لم نذكر كل من الامارات وسلطنة عمان لانهما اتخذا موقفا اقل حماسة، واقرب الى الوسطية، واذا كانت الاخيرة اي عمان انسحبت من منظومة اصدقاء سورية مبكرا واعتذرت عن عدم قبول دعوة لحضور مؤتمر جنيف 2، فان الامارات ابتعدت عن الازمة السورية، وواصلت اتصالاتها السرية مع النظام وان ظلت في اطار منظومة اصدقاء سورية.

المشكلة ان هذه المراسيم والمقترحات تصدر بشكل مفاجيء وبعد ثلاث سنوات على بدء الازمة السورية، التي بدأت انتفاضة شعبية سلمية ذات مطالب مشروعة في الاصلاح والتغيير الديمقراطي وتحولت الى صراع على السلطة، وتدفق آلاف المجاهدين من دول اسلامية والخليجية منها على وجه الخصوص.

هناك سببان في تقديرنا لهذا التحول في مواقف الدول الخليجية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية والكويت:

*الاول: تبلور قناعة راسخة لدى الحكومات بأن الازمة السورية ستطول، ولن ينجح الطرفان في حسمهما لصالح اي منهما، وان احتمالات بقاء النظام السوري واستمراره باتت اقوى من احتمالات سقوطه بعد صموده كل هذه السنوات وتحقيق مكاسب على الارض بفضل دعم حلفائه الروس والايرانيين وحزب الله علاوة على تمسك جيشه وسقوط كل الرهانات على انقسامه وبالتالي انهياره، في وقت تراجعت فيه امريكا وحلفاؤها الاوروبيين عن الحل العسكري خوفا من حدوث فراغ بعد اسقاط النظام وتكرار السيناريو الليبي وقبله الافغاني والعراقي.

*الثاني: الخوف من عودة هؤلاء المجاهدين الى بلدانهم وتفجير ثورة مسلحة تطالب بالعدالة والمساواة في توزيع الثروة وتوسيع دائرة المشاركة في الحكم وتطبيق اكثر صرامة للشريعة الاسلامية وقوانين مكافحة الفساد، او تكوينهم امارات اسلامية شبه مستقلة على الارض السورية تكون منطلقا لعمليات هجومية ضد الغرب وانظمة بلادهم نفسها.

حالة الكويت ربما تكون مختلفة عن حالة جارتها السعودية، لان الحكومة لم تتورط رسميا في الازمة السورية بشكل مباشر، ولم تتخذ الحكومة الكويتية مواقف متحمسة لدعم المقاتلين على الارض السورية، وفضلت النأي بنفسها عن التدخل في الصراع ضد النظام السوري، خوفا من تفجر صراع طائفي سني شيعي على اراضيها، لان نسبة الشيعة فيها تصل الى اكثر من خمسة وثلاثين في المئة، وهناك من يقول انها اكبر من ذلك، وهي طائفة مسيسة ونشطة ومنظمة.

وان كانت جماعات اسلامية سنية كويتية قد ارسلت اموالا لدعم المقاتلين في اطار الجيش الحر وبعد ذلك الجبهات الاسلامية، كما لعبت بعض وسائط الاعلام الكويتية دورا تحريضيا للشباب للانضمام الى الجبهات المقاتلة للتسريع باسقاط النظام الذي يقتل شعبه وينطلق من منطلقات طائفية ضد السنة على حد وصفها.

من الواضح ان الدول الخليجية بدأت تتخلى عن ابنائها المقاتلين في سورية، وبات هؤلاء “منبوذين” و”مجرمين” من قبل حكوماتهم بعد ان كانوا ابطالا في بداية الازمة ورسالة هذه الدول لهم واضحة، وهي اننا لا نريدكم احياءا، ويفضل ان تواصلوا جهادكم حتى الموت او الذهاب الى جبهات اخرى اذا اغلقت في وجهكم، لاي سبب ما، فرص الجهاد في سورية، واذا قررتم العودة الى بلادكم فلن تستقبلوا بالورود والرياحين وانما بالذهاب فورا من المطار الى السجون والمعتقلات لقضاء ما تبقى من عمركم فيها.

هؤلاء الشباب ليسوا ضحايا الفتاوى التي ظلت تصدر على مدى السنوات الثلاث الماضية في المساجد والديوانيات، والمحاضرات العامة وشاشات التلفزة من قبل شيوخ متشددين ومعروفين، مثلما يقول معارضوهم في حملة منظمة عبر شاشات التلفزة، التزموا في معظمهم، اي الشيوخ والدعاة، الصمت بعد صدور المرسوم الملكي السعودي وقوانين مكافحة الارهاب التي تجرمهم ايضا بالعقوبة نفسها، وتبرأوا من دعوات سابقة لهم للشباب بالجهاد في سورية، وانما هم ايضا، اي هؤلاء الشباب، ضحايا حكوماتهم التي ساهمت في تضليلهم بحسن نية او سوئها، مثلما ورد في المراسيم الملكية ونصوص ومواد قوانين مكافحة الارهاب.

فبعض الحكومات الخليجية تقع في تناقض كبير يصعب فهمه، فهي ما زالت تضخ المليارات لتسليح المقاتلين في سورية وترسل اسلحة فتاكة حديثة، وفي الوقت نفسه لا تريد ان يشارك شبابها في القتال، ودون تقديم اي مبررات او شروح لهذا الموقف مدعومة بادلة وسندات شرعية، فاما انه جهاد مشروع وفرض على كل مسلم، بغض النظر عن بلده او جنسيته، واما انه جهاد غير مشروع ومنعه في هذه الحالة ينطبق على الجميع دون اي استثناء، فالتمييز هنا يدين صاحبه وينطوي في بعض جوانبه على شبهة عنصرية.

الحكومات ملزمة بحماية مواطنيها ورعايتهم، واكرام وفادتهم، ولا يجوز التخلي عنهم، وتحويلهم الى “مجرمين” بعد ان جرى تشجيعهم على هذا “الاجرام” من خلال الالة الاعلامية الجبارة والمواقف السياسية العلنية الداعمة له، اي الجهاد.

هناك اكثر من عشرة آلاف مقاتل من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى يقاتلون في سورية، وتجريم هؤلاء، والزج بهم في السجون، اذا عادوا احياء، يحتاج الى بناء معتقلات جديدة بسبب ضخامة عددهم، وسيأتي هذا على حساب بناء مستشفيات ومدارس وجامعات حديثة وشبكات صرف صحية وتوفير الماء والكهرباء.

اذا كانت الحكومات الخليجية تخشى من اخطار عودة هؤلاء الى بلدانهم احياء، وتريد عزلهم في المعتقلات، فان عليها ان تقلق اكثر، لان حظرهم قد يكون اكبر وحقدهم اشد، بعد التخلي عنهم، والتعاطي معهم كمجرمين وارهابيين، بعد ان كانوا يعاملون كمجاهدين وكشهداء لبوا نداء الواجب لنصرة اشقائهم من الطائفة نفسها.