القلق السعودي الخليجي من الاتفاق الايراني غير مبرر والبدائل المطروحة اكثر خطورة

 
 
 
دول الخليج العربي مصابة بـ فوبيا الخوف” وتبحث دائما عمن يحميها، وترتاب من اي قوة اقليمية عظمى.. خافت من الثورة الايرانية بقيادة الامام روح الله الخميني فجندت العراق للتصدي لها وتقزيمها ومنع فيضانها الى الشاطيء الغربي من الخليج، ارتاحت من ثورة الخميني لتعود وترتعد خوفا من منقذها الرئيس الراحل صدام حسين وصعوده كقوة يحسب لها حساب صمدت ثماني سنوات في الحرب، فيحاصره بعضها ويستفزه لارتكاب خطأ احتلال الكويت فتستورد نصف مليون جندي امريكي ليس لاخراجه من الكويت مكسورا فقط، وانما تدمير العراق واذلاله بعد احتلاله، ولعل الخوف المتنامي من طموحات ايران النووية هو الاحدث في هذا المسلسل.
المملكة العربية السعودية الدولة القائدة في الخليج، او الشقيقة الكبرى كما يحلو للمسؤولين الخليجيين تسميتها، كانت قلقة من اتساع رقعة البرنامج النووي الايراني ونسبة تخصيب اليورانيوم المرتفعة، وعبرت عن هذا القلق بمطالبة الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بقطع راس الافعى الايرانية لتحييد هذا الخطر لانها تتعامل مع امريكا ككلاب صيد، دون ان تعلم ان هذه الكلاب تهرم وتضعف اسنانها، وتمل هذا العمل وتعتزله، او تبحث عن صاحب قطيع جديد، ربما يكون اكثر كرما واقل تكلفة مثلما حدث اخيرا.
الاتفاق الذي جرى التوصل اليه في جنيف فجر يوم الاحد اوقف تخصيب اليورانيوم الايراني بدرجات عالية، وتذويب الكميات المخصبة، بنسبة عشرين في المئة بحيث لا تصبح صالحة لاي استخدام عسكري، ومنع اضافة اي اجهزة طرد مركزي جديدة، فلماذا يستمر القلق، وتقام سرادق العزاء؟ المؤكد انه الخوف من تتويج ايران قوة عظمى، تقاسم النفوذ معها على حساب العرب.
نختلف مع السيد عبد الله العسكر رئيس مجلس الشورى السعودي في قوله ان النوم سيجافي سكان الشرق الاوسط بعد الاتفاق المذكور، لاننا نرى العكس تماما، حيث سينام اهل المنطقة، والخليجيون منهم بالذات قريري العين، لان شبح الحرب قد زال ولو مؤقتا، مضافا الى ذلك ان الخير قد يأتي من باطن الشر حسب القول المأثور، ولعل هذا الاتفاق جرس ايقاظ للعرب والسعوديين من سباتهم العميق.
المسؤولون السعوديون والخليجيون الآخرون، يجب ان يلوموا انفسهم في رأينا قبل ان يلوموا الآخرين، فقد كان عليهم، وهم الذين يملكون المال والقلق معا، ان يحسبوا حساب هذا الخذلان الامريكي ويقرأونه بشكل جيد متعمق منذ فترة مبكرة، من خلال دراسة عميقة للمواقف الامريكية في المنطقة، واولوياتها الجديدة، واتخاذ كل الاحتياطات اللازمة في هذا الصدد بما في ذلك ايجاد البدائل، وابرزها الاعتماد على الذات، وبناء مشروع نهضوي عربي ثقافي وسياسي وعسكري متطور، بما في ذلك، برنامج نووي عربي.
***
السعوديون يتحدثون هذه الايام في الغرف المغلقة او ينسب اليهم ذلك، عن خيارين اساسيين للتعاطي مع التحول الغربي الامريكي المفاجيء الذي يرتكز على اساس الاعتراف بايران قوة نووية اقليمة عظمى وتقاسم النفوذ معها، وتهميش الحليف العربي التقليدي في المقابل.
*الخيار الاول: الحصول على قنايل نووية باكستانية جاهزة تطبيقا لاتفاق موقع بين الجانبين، السعودي والباكستاني، ولكن الاسلحة النووية الباكستانية ليست ملكا حصريا لباكستان، ولا تستطيع التصرف فيها دون المباركة الامريكية، وهي مباركة ربما تكون صعبة ان لم تكن مستحيلة، فامريكا كانت الراعي للبرنامج النووي الباكستاني والمشجع له، لتحقيق الردع مع القنابل النووية الهندية المدعومة من الاتحاد السوفييتي في ذروة الحرب الباردة.
*الخيار الثاني: استبدال اسرائيل بامريكا كحليف استراتيجي يمكن توظيفه للقيام بالمهمة التي تراجعت عنها امريكا، اي تدمير المفاعلات النووية الايرانية، خاصة ان هناك مخاوف اسرائيلية سعودية مشتركة في هذا المضمار.
ترتكب المملكة العربية السعودية، وقيادتها، خطأ كبيرا اذا اعتمدت اي من الخيارين لانها ستعرض نفسها لاخطار كبيرة لسيت مستعدة لمواجهتها في الوقت الراهن على الاقل في ظل حالة الانهيار التي تشهدها المنطقة، والشق العربي منها على وجه الخصوص، خاصة اذا اقدمت على هذه الخيارات كرد فعل، او من منطلق الغضب والانفعال.
التحالف مع اسرائيل خط احمر ليس فقط لا يمكن بل لا يجب تجاوزه، ومجرد التفكير فيه، خاصة في مثل هذا الوقت الذي توجه فيه ايران وحلفاؤها بوصلتهم نحو فلسطين والمسجد الاقصى، حتى لو كان هذا التوجه الايراني تكتيكيا مثلما يكرر الاعلام السعودي دائما.
الخيار الثالث الذي لا نسمعه يتردد على لسان المسؤولين السعوديين طوال السنوات العشرين الماضية، الا ما ندر، هو بناء القوة الذاتية العربية، على اسس استراتيجية سليمة، من خلال برامج قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، والكف عن سياسة الاعتماد على الحلفاء الخارجيين، والاطمئنان الى دعمهم ونجدتهم في الظروف الصعبة، وانفاق مليارات الدولارات على شراء الاسلحة ارضاء لهم اولا ومواجهة عدو غير محدد ثانيا.
كنت اتمنى شخصيا لو كانت المملكة العربية السعودية اول مرحب بالاتفاق النووي الايراني، واول من يرسل الوفود الى طهران للتهنئة بالاتفاق، والبدء في حوار مع قادتها يؤدي الى التعاون وتعميق الروابط السياسية والاقتصادية، والتقريب بين المذاهب، ووضع حد لحملات التحريض الطائفي التي ابتليت بها المنطقة من قبل اعلام موتور يروج للفتنة، حتى وان جاءت مثل هذه الخطوات متأخرة، فايران وصلت الى ما وصلت اليه من قوة واعتراف دولي من خلال تكريس التزاوج الذكي بين العمل الدبلوماسي والمشروع العسكري والنووي الذاتي، في اطار خطة تفاوضية مدروسة بعناية.
***
النواح والعويل ليس الرد المناسب على الاتفاق الايراني الغربي، وانما المبادرة ونقد الذات، والاعتراف بالقصور، والانطلاق نحو المستقبل بأعين مفتوحة، والخروج كليا من عقلية الاعتماد على الغير، وتوحيد الصف العربي وتحقيق المساواة والعدالة واحترام حقوق الشعوب الانسانية والتوزيع العادل للثروة وضرب الفساد.
فاذا كانت المملكة العربية السعودية التي يدخل ميزانيتها 600 مليار دولار سنويا كعوائد نفطية، ويوجد لها ثلاثون الف طالب يتعلمون في كبريات الجامعات الغربية، لا تحتل اي مرتبة عالمية متقدمة في اي فرع من فروع العلم وتظل تعبر دائما عن القلق والخوف، فماذا نقول عن الدول الفقيرة الاخرى، اسرائيل اصبحت الاولى عالميا في علوم التكنولوجيا وهي التي لا يزيد عمرها عن 60 عاما، وكوريا الجنوبية بعدها، الا يجعلنا هذا نشعر بالخجل والعار.
ايران ركزت على القضية الفلسطينية في لحظة غياب وعي عربية، وطورت قدراتها الدفاعية والهجومية وحصنت نفسها بدرع من القوة واعتمدت على حلفاء اقوياء احسنت اختيارهم، ولم تقلق مطلقا من حاملات الطائرات، ومئات السفن الحربية في الخليج مصحوبة بصواريخ باتريوت، وبادلت المناورة العسكرية الامريكية باخرى ايرانية، ولو كانت امريكا قادرة على استخدام القوة ضدها، والخروج منتصرة لما ترددت لحظة في اعلان الحرب.
نتمنى ان يتعلم العرب جميعا، وليس السعودية فقط، من هذا الدرس الايراني، فربما في هذه الحالة، سيشفون من عقدة الخوف والقلق، ويصبحون امة يصعب تهميشهم او طعنهم في الظهر مثلما حدث ويحدث على مدى المئة عام الماضية، وربما القادمة ايضا اذا استمر الحال على ما هو عليه.