حراك عربي في الوقت الضائع

تشهد المنطقة العربية حراكاً سياسياً لافتاً للنظر هذه الايام. فقد عقد العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز قمة مفاجئة مع نظيره المصري حسني مبارك في منتجع شرم الشيخ يوم امس الاول، وطار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الي تونس لمصالحة غريمه فاروق قدومي (ابو اللطف) رئيس الدائرة السياسية في المنظمة في اطار المساعي الراهنة لترتيب البيت الفتحاوي، بينما فضل العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني شد الرحال الي واشنطن لمعرفة الاخبار من مصادرها الأولية بعيدا عن الوسطاء.

هذا الحراك املته الزيارة الاولي التي قام بها ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي الي واشنطن لمناقشة خطته احادية الجانب المتعلقة برسم حدود الدولة العبرية النهائية في غضون ثلاثة اعوام، والزيارة الثانية التي يعتزم القيام بها الي شرم الشيخ للقاء الرئيس مبارك، في قمة ثنائية ربما تتحول الي ثلاثية بحضور السيد عباس.
عدة انطباعات سريعة يمكن ان يخرج بها اي مراقب لمثل هذا الحراك السياسي وافرازاته يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: هذا النشاط المصري الذي يعتبر محور هذا الحراك جاء بعد الزيارة السرية التي قام بها الي واشنطن السيد جمال مبارك نجل الرئيس المصري، والتقي خلالها اعمدة الادارة الامريكية الرئيسية ابتداء من الرئيس بوش ومرورا بوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وانتهاء بديك تشيني نائب الرئيس. وهي زيارة جري فيها الاتفاق علي صفقة التوريث، والبدء في تطبيق شروطها الامريكية ومن ضمنها التحرك لإنقاذ اسرائيل من ورطتها الحالية، المتمثلة في فوز حركة حماس وانتشار التطرف الاسلامي.
ثانيا: الادارة الامريكية تهيئ المنطقة حاليا لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية، وهي بحاجة الي مساعدة حلفائها العرب الموثوقين، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، وهما الدولتان اللتان ساعدتاها في حربيها الاولي والثانية ضد نظام صدام حسين في العراق، وفي الحرب العراقية ـ الايرانية لمنع اتساع نطاق ثورة الخميني الاسلامية، وانتقالها الي الشاطئ الغربي للخليج حيث منابع النفط واحتياطاته. وكان لافتاً غياب سورية، وللمرة الاولي، عن قمة شرم الشيخ المصرية ـ السعودية، وهي التي كانت الضلع الثالث في المثلث الذي حكم المنطقة علي مدي ثلاثين عاماً وصاغ سياساتها ومواقفها.
ثالثا: اعادة التركيز علي احياء مبادرة السلام العربية بهدف الضغط علي حماس من اجل الاعتراف باسرائيل اولا، وتوفير مظلة لموجة قادمة من التطبيع العربي ـ الاسرائيلي. وتــــبدو التحركات السعودية في هذا الاطار جديرة بالملاحظة، فقد ادلي الامير تركي الفيصل سفير الرياض في واشنطن لصحيفة اسرائيلية هي الاولي من نوعها علي هامش مشاركته في لقاء دافوس الشرق الاوسطي في شرم الشيخ، ووجه خلالها نصائح مباشرة الي ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي حذر فيها من سياساته احادية الجانب.
رابعا: اصرار السيد عباس علي المضي قدما في خطته في استفتاء الشعب الفلسطيني حول وثيقة الأسري، وعدم انتظار نتائج الحوار، بين الاحزاب والفصائل، للحصول علي تفويض يستخدمه في مساعيه للعودة الي مائدة المفاوضات والوصول الي صفقة تســــوية مع الدولة العـــبرية علي غرار اتفاقات اوسلو. وكان لافتاً تأكيد القمة المصرية ـ السعودية علي استئناف العملية السلمية ومفاوضاتها، ووجود شريك فلسطيني هو الرئيس محمود عباس.
خامسا: حدوث حالة استقطاب حادة في الوسط العربي حالياً حيث معسكر الاكثرية حليف واشنطن التقليدي الذي يرتكز اساسا علي المحور المصري ـ السعودي، ويضم الاردن ودول الخليج، ومعسكر الاقلية المنبوذة، والمستهدفة، بزعامة سورية، ويضم كل منظمات الرفض والمقاومة، مثل حركتي حماس و الجهاد الاسلامي و حزب الله ، والقيادة العامة، والرئيس اللبناني اميل لحود اي نصف لبنان. اما المعسكر الثالث فهو معسكر المهمشين او غير المهمين، ويضم باقي الدول العربية، وخاصة اليمن وليبيا والجزائر.
بعد استعراض هذه الانطباعات مفردة ومجتمعة يخرج المرء بنتيجة مفادها ان الادارة الامريكية تعيش ازمة حادة في المنطقة، وتريد من حلفائها العرب انقاذها منها. فالمشروع الامريكي في العراق انهار بالكامل، وتشكيل الحكومة العراقية لم يحقق الآمال بتوفير مناخ ملائم في تحسين الظروف الأمنية بما يسمح بالبدء في سحب القوات الامريكية والبريطانية تدريجياً من العراق، مضافاً الي ذلك يواجه المشروع الامريكي الآخر في افغانستان انهيارا اخر، فحركة طالبان احكمت السيطرة علي اربع محافظات، والمتظاهرون الغاضبون اقتحموا البرلمان والقصر الرئاسي في كابول، واصبح الامريكان المحررون هدفاً لحجارة المنتفضين الافغان.
الادارة الامريكية الحالية لم تكسب حربها علي الارهاب رغم خسارتها ما يقرب من اربعمئة مليار دولار حتي الآن، ولم تحقق الاصلاح الديمقراطي الذي وعدت به، ووجدت نفسها، وبسبب مسلسل فشلها المتلاحق، مضطرة للتعامل وبقوة مع الأنظمة الديكتاتورية العربية التي تعاملت معها علي مدي الثلاثين عاماً الماضية.
حلفاء امريكا العرب، وخاصة السعوديين والمصريين، سيلقون بعجلة الانقاذ في محاولة لانتشالها من بحر الفشل الذي تغرق فيه حاليا، ولكن هذا لا يعني ان النتائج ستكون مرضية، لأن السياسات الامريكية الاستعلائية والمتغطرسة اعادت المنطقة برمتها الي التطرف، وحشدت الشعوب علي كراهية امريكا، وحتمية مقاومتها بالعنف والارهاب.
اكبر خطأ ترتكبه القيادتان المصرية والسعودية هو محاولة حصار حماس واجبارها علي الاعتراف باسرائيل من بوابة مبادرة السلام العربية، لان هذا التوجه سيؤدي الي زيادة تطرفها اذا رفضت، وانشقاقها وتشظيها اذا قبلت، ويبدو ان القيادتين تراهنان علي الخيار الثاني اي التشظي والتفتيت مثلما راهنتا علي ذلك في العراق.
التطرف العربي المقاوم يعيش حالياً افضل ايامه، لأنه وجد لأول مرة في تاريخه ملاذاً آمنا في العراق، وشبه آمن في الضفة والقطاع، ونظامين داعمين بحكم الضرورة وليس الاختيار، وهما النظامان السوري في دمشق، والايراني في طهران، ونظام ثالث يستعيد قواه وهو نظام طالبان في افغانستان.
التحرك المصري ـ السعودي قد ينجح في ترتيب قمة ثلاثية في شرم الشيخ بحضور اولمرت وعباس ورعاية مبارك، تؤدي الي افشال حكومة حماس بعد رفضها دخول بيت الطاعة العربي من خلال بوابة مبادرة السلام العربية، ولكنه سيظل تحركا وقتيا يجري في الوقت الضائع. فالمنطقة علي ابواب الخروج من الهيمنة الامريكية، وتستعد لحرب كبيرة ضد ايران، وحروب صغيرة ضد امريكا وحلفائها ومشاريعها، بعضها سياسي مثلما يحدث في مصر، وبعضها دموي مثلما يحدث في العراق، وثالثها بين البينين مثلما يحدث في فلسطين وجنوب لبنان.