اغتيال الزرقاوي: القادم اخطر

يخطيء الرئيس الامريكي جورج بوش اذا اعتقد ان اغتيال ابو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين سيؤدي الي تقليص الهجمات ضد قواته في العراق والميليشيات المتحالفة معها، بل ربما تأتي النتائج معاكسة لكل توقعاته في هذا الخصوص.

فاعتقال الرئيس العراقي صدام حسين ادي الي تصاعد المقاومة العراقية وارتفاع درجة النوعية في عملياتها، كما ادي القصف السجادي لمواقع القاعدة في تورا بورا الي تحويلها من منظمة محلية صغيرة تطالب باخراج القوات الامريكية من الجزيرة العربية الي جبهة اسلامية عالمية تضرب في مدريد ولندن واسطنبول وبالي وتعيد تجميع صفوفها في افغانستان، وتشن هجمات دموية في المملكة العربية السعودية وتحقق وجودا فاعلا في العراق.
اغتيال ابو مصعب الزرقاوي لن يضعف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بل سيزيده قوة، لان الرجل بتهوره واندفاعه، شكل معضلة للتنظيم، وهز صورته في العالم الاسلامي، حسب بعض المقربين من تنظيم القاعدة. ولذلك لم يتردد الدكتور ايمن الظواهري في توجيه رسالته الشهيرة اليه وانتقد فيها اعدام الرهائن الاجانب بالطريقة الوحشية التي تمت بها امام كاميرات التلفزة، وارسال السيارات المفخخة الي الحسينيات والتجمعات والاسواق الشيعية في بغداد والنجف وكربلاء.
الدكتور الظواهري طالب ابو مصعب في تلك الرسالة ان لا يكون في واجهة العمل الجهادي في العراق، وان يترك القيادة لاحد العراقيين منعاً للحساسيات، ويبدو ان عزل الزرقاوي من قيادة مجلس شوري المجاهدين، وحصر دوره في العمليات العسكرية فقط هو تطبيق حرفي لهذه التوجيهات.
فاللافت ان لا الشيخ اسامة بن لادن، ولا الدكتور الظواهري قد تحدثا مطلقا بروح عدائية عن الطائفة الشيعية في اي من اشرطتهما، ولم يطالبا باشعال حـــــرب طائفية في العراق، وهذا لا يعني انهما ليسا ضد الطائفة الشيعية، وانما لحرصهما علي جعل محاربة القوات الامريكية في العراق علي رأس اولويات التنظيم في الوقت الراهن علي الاقل.
ابو مصعب الزرقاوي فرض نفسه زعيما لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بشجاعته واقدامه وقدرته علي تجنيد المئات من المقاتلين العرب، فعندما كان في افغانستان اقام معسكرا خاصا به في هيرات حيث اسس امارته الخاصة، ورفض ان يبايع الشيخ اسامة بن لادن اميرا، وفضل ان يعطي البيعة للملا محمد عمر زعيم تنظيم طالبان، ولم يعط البيعة لزعيم تنظيم القاعدة الا بعد عامين من احتلال العراق، عندما هدده الدكتور الظواهري بتعيين ابو عبد الرحمن العراقي قائدا لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين اذا لم يعط هذه البيعة وفورا.
تنظيم القاعدة ربما يبدأ صفحة جديدة من عمله العسكري في العراق بعد مقتل ابو مصعب الزرقاوي، من حيث التركيز علي العمليات العسكرية التي تستهدف الامريكيين والقوات المتحالفة معهم، وعناصر الامن والحرس الوطني العراقيين، وربما يبتعد عن ارسال السيارات المفخخة لقتل العراقيين الشيعة، لان قيادته لا تريد فتح معركة مع ايران علي وجه الخصوص التي آوت الكثير من اعضائه وأسرهم بعد الغزو الامريكي لافغانستان.
الادارة الامريكية ستحاول تضخيم اغتيال الزرقاوي واعتباره انتصارا كبيرا، لانها تواجه ومنذ غزوها واحتلالها للعراق سلسلة من الهزائم الكارثية، مضافا الي ذلك ستحاول استخدام هذا الانتصار الصغير لتحويل الانظار عن مجازرها التي ارتكبتها قواتها في حديثة والاسحاقي، والايحاء بأن الاوضاع تتحسن في العراق علي صعيد مقاومة الارهاب.
وربما لا نبالغ اذا قلنا، انها في اطار محاولتها لتوظيف هذا الاغتيال لتحقيق اكبر قدر من المكاسب السياسية والمعنوية، اجلت الاعلان عنه ليومين او اكثر، حتي يتزامن مع اعلان السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي عن حل عقدة وزارتي الدفاع والداخلية وتعيين وزيرين فيهما، وهذا ما يفسر الاستعجال في انجاز هذا التعيين واعلانه في اليوم نفسه الذي اعلن فيه اغتيال الزرقاوي.
كان باستطاعة القوات الامريكية اعتقال ابو مصعب الزرقاوي، بعد ايام من محاصرته ولكنها تتبع استراتيجية جديدة فيما يبدو، اي قتل المطلوبين حتي لا تواجه مسلسلا جديدا من المحاكمات علي غرار محاكمة الرئيس صدام ورفاقه، وهي المحاكمات التي جاءت بنتائج عكسية تماما، وصبت في مصلحة تعرية الاحتلال والقوي السياسية المتحالفة معه، ولذلك فانه لن يكون مفاجئا بالنسبة الينا علي الاقل، اذا ما اقدمت علي الشيء نفسه اذا ما نجحت في الوصول الي مخبأ الشيخين بن لادن والظواهري في افغانستان او باكستان.
ابو مصعب الزرقاوي اتفق معه البعض او اختلف، شكل ظاهرة فريدة في العمل الجهادي الاسلامي المتطرف، فقد خرج من قلب احياء المعاناة والقهر في مدينة الزرقاء في الاردن، ليتحول الي رمز للشجاعة والبطولة في اذهان الكثير من ابناء جلدته، ولولا تفجيرات الفنادق في عمان التي اودت بحياة العشرات من المدنيين الابرياء واستغلال الحكومة الاردنية المكثف لها للتحريض ضده وضد تنظيم القاعدة، لأصبح بطلا في اعين الآلاف وربما الملايين من الساخطين علي الادارة الامريكية، والمهانين بسبب حروبها ضد المسلمين في العراق وافغانستان وفلسطين.
ابو مصعب الزرقاوي وكل رفاقه توقعوا هذه النهاية، وكانوا دائما يتطلعون الي الشهادة حسب معتقداتهم بل ويستعجلونها، ولعله استشعر قرب اجله، وهذا ما يفسر اصداره شريطا مسجلا بالصوت والصورة يظهر فيه كـ رامبو العربي متأبطا سلاحه، وهو اول وآخر شريط رسمي يظهر فيه.
تنظيم القاعدة وبحكم القراءة المتأنية والفاحصة لتاريخه، يزداد قوة وصلابة بعد الضربات التي تلحق به، وهو مثل التنين الاسطوري الذي كلما قطعت احد رؤوسه تنبت ثلاثة اخري. ولهذا لم يكن غريبا ان ينعي ابو مصعب الزرقاوي ابو عبد الرحمن العراقي، وهو الاختيار المفضل لقيادة التنظيم من قبل زعيميه المختفيين حاليا في مكان ما في باكستان وافغانستان.
القيادة عادت الي العراقيين، وعمليات ذبح الرهائن امام العدسات التلفزيونية توقفت، وبيعة القائد الجديد للمرشد الروحي لتنظيم القاعدة لا شك فيها، فالرجل، اي أبي عبد الرحمن العراقي كان الي جانب شيخه في افغانستان، وحارب معه ضد السوفييت وضد الامريكان، ولهذا نحن امام مرحلة جديدة، وربما ولادة جديدة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، قد تكون اخطر بكثير من المرحلة السابقة، مرحلة الراحل ابو مصعب الزرقاوي.