مشهد فلسطيني مخجل

ما يجري حالياً في المناطق الفلسطينية المحتلة مؤلم ومخجل في الوقت نفسه. مؤلم لان الشهداء يتساقطون في المجازر الاسرائيلية اليومية، ومخجل لان وتيرة الحرب الاهلية تتصاعد يوماً بعد يوم بين فصيلي فتح و حماس في ظل تصارع علي سلطة وهمية تغذيه الدولة العبرية، وتصب الزيت علي ناره الولايات المتحدة وبعض الانظمة العربية المتآمرة معها.

ففي الوقت الذي تقصف فيه الصواريخ الاسرائيلية تجمعاً سكنياً في قطاع غزة، وتقتل احد عشر شخصاً بعد اقل من ثلاثة ايام من مجزرة الشاطيء، يقدم بعض الفلسطينيين المحسوبين علي حركة فتح علي احراق مجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، وبعض مقار حركة حماس في جنين وطولكرم وغيرهما، وتبادر مجموعة من حركة حماس الي اطلاق صواريخ علي مقر الامن الوقائي في قطاع غزة.
هذه الصواريخ التي انطلقت لقصف مقر الامن الوقائي، مع اختلافنا معه وقيادته، وادانتنا للكثير من ممارسات عناصره، تم شراؤها بأموال تبرع بها ابناء الشعب الفلسطيني من اجل ان تتوجه الي المستوطنات الاسرائيلية وليس الي مؤسسة امنية فلسطينية.
المجلس التشريعي الفلسطيني ومقر رئاسة مجلس الوزراء في رام الله هما من المباني الفلسطينية التي ترتفع علي صواريها اعلام فلسطينية، وليس نجمة داوود، ولا يوجد فيها مستوطنون ولا مستعربون، وهي تجسد رمز الديمقراطية التي طالما تفاخرت حركة فتح وقيادتها باحترام نتائجها، واجراء انتخاباتها في ظل اجواء غير مسبوقة من النزاهة والشفافية.
انها ممارسات مؤسفة تحط من قدر الانسان الفلسطيني، وتثبط عزيمته، وتجعله يشعر بالخجل والدونية، فمن غير المنطقي ان يقدم من ينتمون الي حركات مقاومة، قدمت مئات بل آلاف الشهداء علي توجيه البنادق الي الصدور الفلسطينية جنباً الي جنب مع البنادق والصواريخ الاسرائيلية.
نفهم ان تتنافس الفصائل فيما بينها علي السلطة، ولكن بعد تحرير الارض وطرد المحتل، اما ما يحدث حالياً، والمحتل ما زال يقتل ويدمر، ويرتكب المجازر وجرائم الحرب فأمر يستعصي علي الفهم، ويخالف كل قواعد المنطق.
الشعب الفلسطيني بات ضحية اناس متهالكين علي المناصب والمكاسب الذاتية والشخصية، ونسوا ان شعبهم محتل، محاصر، ومجوع، ويواجه الموت يومياً.
نرفض ان نقف موقف المتفرج، ونردد العبارات التقليدية حول تقديم المصالح الوطنية علي المصالح الحزبية والفصائلية، او التذكير بأن الدم الفلسطيني خط احمر. مثلما نرفض ان ننحاز الي هذا الطرف ضد ذاك، فهؤلاء جميعاً اخوتنا واهلنا.
الاستنكار لم يعد يفيد، وكذلك كلمات الادانة، فالشعب الفلسطيني ينزلق بسرعة نحو كارثة دموية عمل علي تجنبها علي مدي الثلاثين عاما الماضية. ويبدو ان خطة اسرائيل في تفجير الحرب الاهلية بدأت تعطي ثمارها.
نحن نحمل الرئيس محمود عباس، والفئة القليلة الملتفة حوله، وليس حركة فتح مسؤولية هذا التطور الخطير في الاوضاع، لانه يرفض ان يسلم بالهزيمة في الانتخابات، بضغط من الولايات المتحدة واسرائيل وانظمة عربية تقف في الخط المعادي للخط الوطني، وتقبض الثمن مقدماً مساعدات وفوائد مالية عائلية.
هؤلاء المعششون في مكتب الرئاسة الذين تعودوا علي الرفاهية، والتنقل بين العواصم الاوروبية، وبطاقات الـV.I.P والتسوق في افخر المحلات، والاقامة الدائمة في استديوهات التلفزة الاجنبية وخاصة (سي. ان. ان) وغيرها، هم الذين يدفعون نحو الحرب الاهلية، علي امل ان يستعيدوا الزمن الذي مضي، وما كان يوفره من امتيازات.
لا يشرف الرئيس عباس، ولا حركة فتح الوطنية الشريفة المناضلة، ان يعلن متحدث باسم ايهود اولمرت ان حكومته وافقت علي السماح بوصول اسلحة الي الحرس الرئاسي او قوات الامن الموالية للرئاسة، لأن هذه الاسلحة لا تمرر من اجل الاستخدام ضد اسرائيل ولحماية الشعب الفلسطيني، وانما كي تستخدم ضد ابناء الشعب الواحد والدم الواحد، في صراع دموي علي سلطة وهمية.
نحن ايضا لا نتردد في توجيه اللوم نفسه الي حركة المقاومة الاسلامية حماس لانها سمحت لنفسها بأن تنجر الي هذه المصيدة، وان تظهر بمظهر المتكالب علي السلطة، وهي التي فازت في الانتخابات لانها تعارض هذه السلطة، وفسادها، والأسس والاتفاقات التي قامت عليها.
نقسم بالله ان اضواء السلطة لا تليق بالسيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء، ولا تلائم الدكتور محمود الزهار، فهؤلاء الناس اختاروا الشهادة، وفضلوا دار البقاء علي دار الفناء، وكانوا وما زالوا مشاريع شهادة. واضواء السلطة ستحرقهم شعبياً اذا ما واصلوا التشبث بها بالطريقة التي نراها حالياً.
نعيد التذكير بأن هذه السلطة التي يتأجج الصراع عليها حالياً، ويسقط بسببها عشرات الفلسطينيين من الجانبين، مجرد جيفة نتنة. فأي سلطة هذه ورئيسها لا يستطيع مغــادرة رام الله دون اذن شاويش اسرائيلي، وأي وزارة هذه ورئيسها لا يستطيع مغادرة قطاع غزة الي مقرها في الضفة؟
نعم مطلوب حوار وطني من اجل الخروج من هذا المأزق المأساوي، ومنع الكارثة قبل حدوثها. حوار وطني ليس علي اساس وثيقة الأسري، وانما علي اساس الاتفاق علي حل هذه السلطة، وتشكيل جبهة وطنية تضم كل الفصائل وتضع استراتيجية مواجهة للعدوان الاسرائيلي.
وفي حال رفض الرئيس عباس ومن حوله مثل هذا الحوار والأرضية الوطنية التي يستند اليها، فإن المطلوب من حركة حماس ان تأخذ زمام المبادرة، وان تعلن انسحابها من الحكومة، والعودة الي خندقها الاساسي والطبيعي وهو خندق المقاومة، تتحصن به، وتقاتل الرئيس عباس والمنتفعين الملتفين حوله، وليس شرفاء حركة فتح وهم الغالبية الساحقة، اذا ما حاول نزع سلاحها تنفيذاً لأي تعهدات قدمها للامريكان والاسرائيليين، لانها في هذه الحالة ستكون في موقع الدفاع عن النفس، وهو دفاع مشــروع وستجد الشعب الفلسطيني كله يقف خلفها ويساندها.
هذه السلطة هي رأس الفتنة، وهي اساس الدمار للشعب الفلسطيني وقضيته لانها قامت علي باطل اسمه اتفاقات اوسلو، ولذلك يجب لفظها، والعودة الي المرحلة التي سبقتها مرحلة الانتفاضة والمقاومة، مرحلة لم يكن الشعب الفلسطيني فيها يطرق ابواب امريكا واوروبا متسولاً، ولم يكن اسير اذلال مهين اسمه رواتب الموظفين.