بوش متسللاً الي العراق

بعد ثلاث سنوات من الاحتلال، ووجود مئة واربعين الف جندي امريكي، وعشرين الفا من البلدان الحليفة الأخري، وربع مليون من رجال الامن والحرس الوطني العراقيين، من المفترض ان تتحسن الاوضاع الامنية، ويصبح في مقدور الزوار الاجانب شد الرحال الي العاصمة العراقية دون خوف، لكن زيارة الرئيس جورج بوش السرية المفاجئة اثبتت عكس هذا الافتراض تماماً.

انها الزيارة الثانية للرئيس بوش الي العراق في غضون ثلاث سنوات. ورغم ان الزيارتين كانتا سريتين، الا ان هناك بعض الاختلافات بينهما، فالاولي استغرقت اقل من ساعتين، وانحصرت في مطار بغداد فقط، اما الثانية فامتدت الي خمس ساعات، وخرجت عن نطاق قاعة الاستقبال في المطار، الي مقر السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء.
السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الجديد لم يعلم، وهو المضيف ورجل المرحلة، بأمر الزيارة الا قبل خمس دقائق من وصول الرئيس الامريكي، فقد دُعي، او استدعي، الي مقر السفارة الامريكية من اجل التحادث مع الرئيس بوش في واشنطن من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة، وبعد ان دخل المنطقة الخضراء همس احدهم في أذنه بأن الرئيس بوش وصل وهو في انتظاره.
هذه الواقعة تؤكد امرين اساسيين، الاول ان الاوضاع الامنية في العراق الجديد متدهوره بشكل يجعلها خارجه عن السيطرة، والثاني ان الرئيس بوش لا يثق بحلفائه العراقيين، ولا يأتمنهم علي سر.
فإذا كان الرئيس بوش يأمل من خلال هذه الزيارة الخاطفة طمأنة العراقيين، والناخبين الامريكيين الذين سيتوجهون الي صناديق الاقتراع في اقل من اربعة اشهر لانتخاب نصف اعضاء الكونغرس، والايحاء بأن الاوضاع في العراق تتحسن، فإن زيارته هذه جاءت بنتائج عكسية تماماً، واظهرت مدي هشاشة المشروع الامريكي في العراق.
فاللافت ان الرئيس الامريكي اراد استغلال حادثة اغتيال ابو مصعب الزرقاوي، وتوظيفها في اطار رفع شعبيته المتهاوية في اوساط الامريكيين، وتحويل الانظار عن مجزرتي حديثة والاسحاقي اللتين قتل فيهما عشرات العراقيين علي ايدي قوات المارينز بدم بارد، وانتقاما لمقتل زميل لهم بعبوة ناسفة زرعها رجال المقاومة علي الطريق العام. فالرجل بحاجة الي انتصار ومهما كان متواضعاً، بعد مسلسل الاخفاقات الذي منيت به حكومــــته علي مدي السنوات الثلاث الماضية.
اغتيال الزرقاوي ربما يكون افاد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، اكثر مما افاد الادارة الامريكية وحكومة المالكي، لان هذا التنظيم كان يفضل ان تكون واجهته عراقية منضبطة، تتجنب الاخطاء المتهورة، ولكنه لم يرد ان يخلق بلبلة وانقسامات في صفوف مقاتليه وحلفائه، وتقبل الامر الواقع مكرهاً.
القائد الجديد لتنظيم القاعدة في العراق، ربما يكون اكثر خطورة علي القوات الامريكية وحكومة المالكي من سلفه الزرقاوي، وهناك اعتقاد راسخ في اوساط الاسلاميين المتطرفين، بأن ابو حمزة المهاجر ليس الا مجرد تغطية للزعيم الحقيقي، الذي من المرجح ان يكون ابو عبد الله البغدادي رئيس مجلس شوري المجاهدين، والشخص المقرب من شيخه اسامة بن لادن، باعتباره من اكثر الاشخاص ولاءً للتنظيم، وايماناً بإيديولوجيته.
خطورة الزعيم الجديد للقاعدة في العراق تكمن في كونه عراقياً اولاً، وسلفياً ثانياً، ومحط ثقة قيادته العليا في مخبئها في مكان ما من باكستان او افغانستان. وهذه المواصفات تسهل مهمته في تجنيد عراقيين ومسلمين للانضمام الي تنظيم القاعدة، والانخراط في مقاومة الامريكيين، لانه اقدر علي فهم الخريطة السكانية والبشرية العراقية، ونسج تحالفات مع قياداتها، وتجنب اثارة حساسياتها. مضافاً الي ذلك انه وعلي عكس سلفه تماماً، متبحر في العقيدة الاسلامية، وضليع في اللغة العربية وآدابها.
اصرار الرئيس بوش علي شد الرحال الي بغداد، وبعد ترؤسه لمجلس حرب عقده مع كبار مساعديه وضباطه العسكريين، للاحتفال مع السيد المالكي بمقتل الزرقاوي ربما يكون سابقاً لأوانه وفي غير محله تماماً، مثلما تكشف الوقائع علي الارض حيث لم يتوقف مسلسل الهجمات والسيارات المفخخة بل تصاعد، والاكثر من ذلك شاهدنا مظاهرات تنطلق في البصرة بمشاركة انصار السيد مقتدي الصدر تندد بزيارة الرئيس بوش السرية وتطالب بسحب القوات الامريكية والاجنبية من العراق.
وربما تكون الخطة الامنية المشددة التي تطبقها قوات الامن العراقية في بغداد، والحشود العسكرية الامريكية الضخمة حول مدينة الرمادي، هما احد قرارات مجلس الحرب الامريكي الذي ترأسه بوش حول كيفية التعامل مع المأزق المتفاقم في العراق لتحقيق بعض النجاحات قبل الانتخابات النصفية، ولكن من الصعب بناء آمال عريضة في هذا الخصوص، فالقوات الامريكية حررت سامراء ثلاث مرات، والرمادي مرتين، وكذلك الفلوجة.
انها محاولات يائسة من قبل الرئيس بوش وادارته لانقاذ ماء الوجه في العراق، فتشكيل الوزارة الحالية برئاسة المالكي استغرق ستة اشهر، وبعد زيارات متعددة لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية، وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا ووزير دفاعه جون ريد في حينه، واخيرا الرئيس الامريكي نفسه جورج بوش. ومع ذلك ما زالت هذه الوزارة ضعيفة مهزوزة وليست حكومة وحدة وطنية مثلما كان متوقعاً منها.
العراق ليس بحاجة الي مساعدات مالية جديدة من الدول المانحة، مثلما طالب الرئيس بوش في مؤتمره الصحافي، فباستطاعته تصدير ثلاثة ملايين برميل من النفط يومياً، شريطة ان تتوقف عمليات النهب العلنية، ومن قبل الفئة الحاكمة، وميليشياتها، لهذه الثروة الوطنية.
اهم مؤشرات التعافي في العراق، ان نري الرئيس بوش يزور هذا البلد في وضح النهار ويصطف العراقيون علي طول طريق المطار حاملين الاعلام الامريكية احتفالا بقدومه وتقديرا لدور قواته في تحرير بلدهم. اما ان يأتي الرئيس بوش متسللاً، ودون علم رئيس الوزراء الذي امتدحه وحكومته، مثلما حدث امس الاول، ولبضع ساعات، فهذا دليل واضح علي ان المقاومة انتصرت، والرئيس بوش ومشروعه يتخبط، وينتقل من فشل الي آخر.