كوفي عنان ومجزرة غزة

تلتزم الولايات المتحدة الامريكية الصمت المطبق تجاه المجزرة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية علي شاطئ غزة وراحت ضحيتها اسرة فلسطينية كاملة، بمن في ذلك طفل رضيع، لأن الضحايا فلسطينيون والقاتل اسرائيلي.

الحكومة الاسرائيلية، كعادتها دائماً، خلقت نوعاً من البلبلة، ونجحت في امتصاص النقمة الدولية عندما سارعت الي اصدار بيانات كاذبة تقول ان لجنة تحقيق عسكرية اثبتت ان الاسرة المنكوبة قتلت بلغم ارضي زرعته حركة حماس علي الشاطئ تحسباً لانزال اسرائيلي. 
المحللون العسكريون التابعون للجنة متابعة حقوق الانسان الامريكية هيومان رايتس ووتش اكدوا ان الضحايا استشهدوا من جراء قذيفة اسرائيلية، وقدموا الأدلة العلمية التي تثبت صحة اقوالهم.
عندما تختلف الروايات، يتم اللجوء الي جهة محايدة لمعرفة الحقيقة، تماماً مثلما لجأت الولايات المتحدة وفرنسا الي مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الراحل رفيق الحـــريري ومعــرفة من يقفون خلفها. 
ولكن القانون الدولي يتعطل تماماً عندما يتعلق الأمر بالدولة العبرية ومجازرها، لأن الدم العربي مباح، وسفكه محلل، فالسيد كوفي انان امين عام الأمم المتحدة الذي كان من اكثر المتشددين في دعم لجنة التحقيق الدولية بشأن جريمة اغتيال الحريري، لم يتحمس مطلقاً للتحقيق في مجزرة شاطئ غزة، ولم يظهر إلا الحد الأدني من التعاطف مع ضحاياها، وبشكل روتيني من منطلق رفع العتب.
ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اكد بالأمس علي هذه الحقيقة، عندما قال لن نقبل ابداً بأن تتولي لجنة التحقيق في الحادث . وواصل الجنرال مئير كليفي رئيس لجنة التحقيق الاسرائيلية عمليات التضليل نفسها عندما قال انه من المستحيل ان يكون الضحايا قضوا نتيجة قصف مدفعي اسرائيلي، لأن الشظايا التي تم العثور عليها في جسد طفل فلسطيني نقل الي تل ابيب للعلاج ليست لقذيفة اسرائيلية .
فاذا كان هؤلاء علي هذه الدرجة من الثقة بأنفسهم وتحقيقاتهم فلماذا لا يقبلون بتحقيق دولي محايد يشرف عليه خبراء متخصصون يقدمون نتائج تحقيقاتهم للعالم بأسره، فالمسألة لا تحتاج إلا لبضعة ايام فقط، والشظايا موجودة، وكذلك الاصابات، وجثث الشهداء؟
المشكلة الكبري تكمن في قيادتنا الفلسطينية اولاً والعربية ثانياً، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يطالب رسمياً بلجنة التحقيق هذه بشكل جدي، تماماً مثلما لم يطالب بلجنة تحقيق في استشهاد الرئيس عرفات مسموماً، بل ان الدكتور نبيل شعث وزير الخارجية في حينه برأ الاسرائيليين بشكل غير مباشر، عندما خرج علي الصحافيين مؤكداً تقارير فرنسية تنفي فرضية التسميم.
المندوبون العرب في الأمم المتحدة باتوا يتهيبون أي مواجهة مع اسرائيل والولايات المتحدة، ويبدو ان جون بولتون مندوب واشنطن الدائم في الأمم المتحدة قد ارهبهم، وبث الذعر في قلوبهم، لدرجة انهم نسوا ابسط واجباتهم الاخلاقية والوظيفية.
الاسرائيليون ابتزوا العالم بأسره من خلال مجازر النازية والمحرقة وافران الغاز، وقصة الفتاة آن فرانك اليهودية التي فقدت اسرتها في الهولوكوست باعت ملايين النسخ، وجري تقريرها في معظم المدارس الاوروبية كجزء من المناهج التي تدرس في المراحل الاعدادية والثانوية.
الفتاة هدي غالية التي ابكت الملايين من العرب، وهي تبكي والديها واشقاءها الذين مزقت اجسادهم القذيفة الاسرائيلية هي آن فرانك العرب ، فلوعتها حقيقية، وجثامين اهلها كانت بادية للعيان، اختلطت دماؤها برمال الشاطئ النظيفة الطاهرة الناصعة البياض.
الصورة لا تكذب، ولكن الاسرائيليين يكذبون بكل وقاحة، ومن المؤسف ان هناك في واشنطن من يصرّ علي تصديقهم، وفي نيويورك من يتستر عليهم. ولهذا تفقد الأمم المتحدة مصداقيتها في أعين ابناء العالم الثالث، وتتحول الي جزء صغير تابع لإحدي ادارات وزارة الخارجية الامريكية.
كنا نتمني لو ان السيد انان اتخذ موقفاً شجاعاً، وهو الذي يقف علي بعد بضعة اشهر من التقاعد، وطالب باجراء تحقيق دولي في هذه المجزرة انحيازا للحق، وانتصاراً لميثاق الأمم المتحدة في انصاف المظلومين، ولكنه للأسف لم يفعل، وفضل ان يشارك في جريمة الصمت هذه.
المجازر ضد العرب ترتكب في غزة وجنين والفلوجة وسامراء وحديثة، ولا احد يتحرك، ولا احد يحتج، بمن في ذلك الزعماء العرب، الذين بات كل همهم هو استقبال ايهود اولمرت وفرش السجاد الاحمر له في شرم الشيخ، وممازحته كأنه صديق حميم، وامام عدسات المصورين دون خوف او حياء.
هذه المواقف العربية الرسمية الرخوة هي التي تشجع الاسرائيليين علي ارتكاب المزيد من المجازر، وهي التي توفر المناخ الملائم لتصاعد موجات التطرف في المنطقة، وتدفع بعشرات، وربما آلاف الشباب اليائس المحبط المهان، للانضمام الي منظماته، وخاصة تنظيم القاعدة ، والاقدام علي تفجير انفسهم بالطريقة التي شاهدناها في تل ابيب اكثر من مرة.
عندما تتستر الادارة الامريكية علي هذه المجزرة، وتمنع أي تحقيق لمعرفة مرتكبيها من قبل المنظمة الدولية، فان عليها ان لا تستغرب تصاعد موجة الكراهية ضدها ليس في العالمين العربي والاسلامي فقط، وانما في مختلف بقاع الارض ايضا. فهي ليست متورطة في عمليات تجويع الاطفال الفلسطينيين فقط، وانما تمزيق اجسادهم ايضاً، من خلال تواطئها مع ارهاب دولة حصد حتي الآن ارواح 980 طفلاً حسب احصاءات المنظمات الانسانية المراقبة للجرائم الاسرائيلية.