العراق واغلبيته الصامتة

الاوضاع الامنية في العراق تزداد تدهورا بعد دخول الخطة الامنية اسبوعها الثاني، فبالامس اختطف مجهولون مئة من عمال احد المصانع الحكومية في العاصمة، وهدد تنظيم القاعدة باعدام اربعة من الدبلوماسيين الروس الذين جري خطفهم قبل ايام، وتم العثور علي جثة خميس العبيدي احد ابرز محامي فريق الدفاع في محاكمة الرئيس صدام حسين مقتولا بعد خطفه ايضا، وهو ثالث محام يواجه الموت اغتيالا منذ بدء المحاكمة قبل ثمانية اشهر.

ويمكن اضافة السيارات المفخخة التي تنفجر يوميا في بغداد وباقي انحاء العراق وتودي بحياة العشرات بين قتلي وجرحي، آخرها عندما فجر انتحاري نفسه في دار للعجزة في البصرة، والحديث ايضا ولو بشكل عابر عن الجثث مجهولة الهوية التي يتم العثور عليها ملقاة يوميا في ازقة بغداد، او عن عمليات التطهير العرقي في مختلف المدن العراقية الاخري، او عن الهجرات المتزايدة للعراقيين الي دول الجوار، وخاصة ابناء الطبقة الوسطي طلبا للأمان او بحثا عن لقمة خبز.
الرئيس الامريكي جورج بوش صاحب مشروع العراق الجديد ظل يكرر حتي الامس القريب بان الاوضاع تتحسن، خاصة بعد تشكيل الحكومة الجديدة قبل شهر، ولكن الوقائع علي الارض تعطي صورة مغايرة تماما، فهذا الانهيار الامني المتفاقم بات يشكل ضغوطا متزايدة علي اعضاء تحالف الراغبين الذي ايد الغزو والاحتلال قبل ثلاث سنوات، فها هي ايطاليا تعلن عن سحب قواتها وكذلك اليابان.
رئيس وزراء اليابان اعلن امس عن سحب 600 جندي من القوات العاملة في مشاريع الاعمار في الجنوب، التي تشرف علي حمايتها قوات بريطانية واسترالية. السبب غير المعلن لهذا الانسحاب هو انتقال المسؤولية الامنية في المنطقة التي تعمل فيها هذه القوات الي اجهزة الامن العراقية، حيث لا تثق الحكومة اليابانية في هذه القوات وقدرتها علي توفير الحماية لجنودها.
بريطانيا ايضا الشريك الاكبر في التحالف المذكور بدأت تسحب قواتها من المثني (170 جنديا)، وتستعد لسحب عدد اكبر من محافظة ميسان، لارسال هذه القوات الي البصرة التي باتت تواجه حالة من الفوضي وعدم الاستقرار غير مسبوقة.
الفوضي الدموية في تصاعد مرعب، رغم مقتل ابو مصعب الزرقاوي، وتشكيل الحكومة الجديدة، وتعيين وزيرين للدفاع والداخلية، فهناك زرقاوي امريكي و زرقاوي اسرائيلي و زرقاوي ايراني ، و زرقاوي شيعي ، كل طائفة او عرق في العراق له زرقاوي خاص به ، والجميع يمارس عمليات القتل دون هوادة في العراق الجديد ، والضحية هم العراقيون الابرياء من كل الطوائف والاعراق.
الحديث عن الفوضي والانهيار الامني الذي يزعج حكام العراق الجدد وانصارهم، مثلما يزعج الرئيس بوش وحليفه توني بلير، لم يعد نوعا من المبالغات الصحافية، فقد جاءت مذكرة السيد زلماي خليل زاد السفير الامريكي في العراق الي وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ونشرت مضمونها صحيفة الاندبندنت البريطانية يوم امس الاول علي صدر صفحتها الاولي، لتقطع الشك باليقين ولتؤكد قتامة الصورة في العراق حيث تتصاعد الكراهية للاحتلال الامريكي في اوساط الغالبية الساحقة من العراقيين بغض النظر عن طوائفهم.
فالمذكرة تحدثت عن ساعتين من الكهرباء يوميا في معظم انحاء العاصمة بغداد، واربع ساعات فقط في افضل الاحوال، مثلما تحدثت عن انتظار احد موظفي السفارة الامريكية من العراقيين 18 ساعة امام محطة بنزين لملء خزان سيارته في بلد يضم جوفه 120 مليار برميل من النفط.
اما الحديث عن الفساد والمحسوبية ونهب ثروات البلاد النفطية وغير النفطية، فقد احتل مساحة كبيرة في هذه المذكرة، حيث تقيم ميليشيات التحالف الحاكم حاليا ارصفة تصدير خاصة بها في ميناء البصرة للنفط العراقي المسروق في وضح النهار وتحت بصر القوات الامريكية والبريطانية.
عندما يقول البعض بان الاوضاع في العراق بعد الاحتلال اسوأ مما كانت عليه قبله عدة مرات، هناك من يجادل بأن المواطن العراقي اصبح يتمتع بالديمقراطية والحريات التعبيرية، وهذا اسوأ انواع المكابرة فأين هي هذه الديمقراطية، وماذا يفعل المواطن العراقي بها وهو ينصلي بلهيب الصيف، ولا يأمن علي حياته وحياة اطفاله، ولا يعرف متي يكون ضحية هذا الفلتان الامني، ولا يجد لقمة الخبز لاطفاله، ولا توجد اسرة في العراق حاليا لم تفقد عزيزا او اكثر منذ الاحتلال. فالعراق اصبح كله مقبرة جماعية.
الجريمة الاكبر من عمليات التطهير العرقي والقتل الجماعي علي ايدي القوات الامريكية والميليشيات الطائفية المتعددة، هي صمت العراقيين، والطلائع المثقفة منها علي وجه الخصوص. فهؤلاء لا يملكون الشجاعة الادبية والاخلاقية للتصدي لهذا المشروع الامريكي التدميري، والقوي العراقية المتحالفة معه، والاعتراف بالكارثة، ووضع مشروع وطني حقيقي لمواجهتها او تقليص خسائرها علي الاقل.
نريد من الاكثرية الصامتة في العراق ان تكون علي الدرجة نفسها من الشجاعة، والنقد الذاتي، اللذين ابداهما السفير الامريكي زلماي خليل زاد وان تتمرد علي هذه الاوضاع بصوت عال وتقول كفي للامريكان وللذين زينوا مشروعهم كأنه الجنة الموعودة وخشبة الخلاص، والطريق الي الرفاهية والرخاء والاستقرار، فعراق اليوم غير مسبوق في تفككه وانهياره وغموض هويته، وتفكك وحدته الجغرافية والبشرية. ولا يمكن وضع حد لهذا التدهور ومسلسل المجازر الا بتحرك شعبي من قبل الجميع يضع الوطن فوق المصالح الطائفية والعرقية الضيقة التي لعبت دورا كبيرا في هذا الخراب.
فعندما يتسلل رئيس اكبر امبراطورية عسكرية واقتصادية في العالم خلسة الي العراق المحرر ، ودون ان يبلغ رئيس الوزراء الذي جاء لتهنئته بتشكيل حكومته، او رئيس الجمهورية المنتخب، فهذا دليل اكيد علي عدم وجود حكومة في البلد قادرة علي حفظ الامن في مساحة لا تتجاوز خمسة كيلومترات مربعة تضم المطار والطريق المؤدية الي المنطقة الخضراء حيث السفارة الامريكية وباقي اماكن اقامة الوزراء والمستشارين العاملين تحت الاحتلال.
النتيجة التي يمكن استخلاصها من كل هذا ليس التأكيد علي انعدام الامن والاستقرار، فهذا تحصيل حاصل، وانما التأكيد بأن المقاومة في العراق اقوي من الحكومة وقواتها وميليشياتها، وفوق هذا وذاك القوات الامريكية وكل القوات الاخري المتحالفة معها التي بدأت تشد الرحال للهرب من العراق الجديد المحرر.