عناق عباس الحميم لأولمرت

يصعب علينا ان نفهم هذه الحفاوة العربية غير المألوفة بايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي، فقد استقبله الرئيس المصري حسني مبارك هاشاً باشاً في شرم الشيخ وكصديق عزيز، ودعاه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني مرتين في اقل من عشرة ايام لزيارة بلاده، وأشبعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس عناقا حارا وحميما وكأنه شقيق عزيز عليه لم يره منذ نصف قرن.

ماذا قدم اولمرت للعرب، وللفلسطينيين، حتي يستحق كل هذا الاحترام والتكريم والحفاوة من قبل زعمائهم، والفلسطينيين منهم علي وجه الخصوص؟
اولمرت ذهب الي البتراء تلبية لدعوة العاهل الاردني لحضور مؤتمر للفائزين بجائزة نوبل، ولكن الهدف الحقيقي هو توفير الغطاء للقاء السيد عباس امام كاميرات التلفزة، في وقت ما زالت دماء شهداء مجازر غزة التي ارتكبتها قواته، ساخنة تطلب الثأر والانتقام. وما زالت اصداء عويل الطفلة هدي غالية التي مزقت القذائف الاسرائيلية اجساد اسرتها تتردد في صدي المعمورة هلعا علي اسرتها.
فكيف يعانق السيد عباس هذه الطفلة متأثرا وتغرورق عيناه بالدموع ويعلن تبنيه لها، ثم يعانق وبحميمية اكبر اولمرت وبعد ايام معدودة، ايهما نصدق عناق الطفلة هدي ام اولمرت؟
الصورة لا تكذب، وعناق عباس لاولمرت كان اكثر حميمية وصدقا من عناقه للطفلة هدي، وهو عناق يكشف عــن صداقة متأصلة، وشوق المحبين.
اولمرت استمتع بالعناق، ولكنه، اي العناق الحار، لم يخدعه، او يثنيه عن ثوابته، فقد حرص علي التأكيد، امام مضيفيه العرب، انه سيواصل هجمات جيشه العسكرية لتصفية الارهابيين حتي لو كان الثمن قتل الابرياء.
هذه المبالغة في الحفاوة برئيس الوزراء الاسرائيلي تذكرنا بقصة زوج غيور وزوجة جميلة، كانا يقطعان الصحراء بسيارتهما عندما خرج عليهما لص مسلح، سلب كل ما في جعبتهما من اموال ومجوهرات، ولكنه عندما رأي جمال المرأة وملاحة وجهها طلب مضاجعتها والا سيقتلهما في الحال.
المرأة رفضت التهديد، وفضلت الموت علي الاستسلام والتفريط بشرفها وعفتها، ولكن زوجها، وبعد ان رأي الشر في عيني اللص، وادرك جدية تهديداته، توسل اليها ان تتحلي بالمرونة، والرضوخ لمطالب اللص، انقاذا لحياتهما، فهو زوجها الذي يأمرها، وعليها واجب الطاعة، ثم انهما في الصحراء ولا احد سيري ما سيحصل. الزوجة رضخت لتوسلات الزوج الواقعي ، وبعد ان نال اللص ما اراد، غادر المكان واختفي عن الانظار، واستقل الزوجان سيارتهما صامتين. وعندما وصلا الي بر الأمان، استل الزوج الغيور سكينا وهجم علي زوجته يريد ذبحها.. فاستغربت فعلته هذه وقالت له انها فعلت ما فعلت استجابة لتضرعاته، ولإنقاذ حياته قبل حياتها، فلماذا يريد ذبحها.. هنا رد الرجل غاضبا: انا طلبت منك ان تضاجعيه فقط ولكن لماذا كل هذا الغنج الزائد الفاضح.
نفهم ان هناك املاءات واوامر امريكية تطالب بعض الزعماء العرب باحتضان اولمرت، والتطبيع معه، وهم لا يستطيعون رفضها، ولكن ما لا نفهمه كل هذه المبالغة في الاحتفاء به، وبهذه الطريقة المستفزة للمشاعر، وهو الذي ابتلع القدس الشرقية عندما كان محافظا لها، وطمس هويتها العربية والاسلامية، وكان شريكا لشارون في كل مجازره، وعندما انعطب واصل الطريق نفسه.
منظر السيد عباس وهو يهجم علي اولمرت متلهفا حاضنا، معانقا، مقبلا ومربتا علي كتفيه وظهره يشكل اهانة غير مسبوقة، لانه بمثل هذا التهافت المبتذل يبارك عمليا كل المجازر التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي ويشجعه علي المزيد ويقدم اولمرت الي العالم وكأنه صديق حميم للشعب الفلسطيني ورسول سلام ومحبة وليس كقاتل مجرم قتل تسعة اطفال في ايام معدودة.
الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي اشتهر علي مستوي العالم بعناقه المبالغ فيه للزعماء العرب وغير العرب، بل ولكل زائر او مضيف مهما علا او تدني شأنه وكان عباس نفسه من اكبر منتقدي هذا السلوك، لم يقدم علي هذه الخطيئة، ولم يعانق مسؤولا اسرائيليا واحدا حتي استشهاده مسموما.
ليست بهذه الطرق المهينة المذلة تستعاد الحقوق المغتصبة، ولم نر قائدا لأي حركة تحرير في العالم، وما اكثرها، علي مر الحقبة الاستعمارية الطويلة، يعانق مستعمرا بريطانيا او فرنسيا او بلجيكيا، بل رأيناهم يفاوضون وهم في اعلي درجات الكبرياء والأنفة، ويقيسون خطواتهم وتحركاتهم بكل دقة، ويرتقون الي مستوي تضحيات شهدائهم، ويكفي التذكير بان السيد فاروق الشرع وزير خارجية سورية حرص وعلي مدي اسبوعين في اثناء لقائه مع ايهود باراك في ميريلاند الامريكية ان لا يصافح مسؤولا اسرائيليا واحدا.
اولمرت ما زال عدوا للشعب الفلسطيني يحتل ارضه، ويقتل اطفاله، ويرمّل نساءه ويصادر اراضيه، ويجب ان يعامل علي هذا الاساس من قبل كل مواطن فلسطيني وعربي ومسلم. الانسان السوي لا يعانق عدوه، وربما يصافحه ولكن بعد توقيع اتفاق سلام عادل. ومن المؤسف اننا نصافح ونعانق حتي قبل ان تبدأ المفاوضات ناهيك عن نجاحها.
السيد عباس تجاوز كل الخطوط الاخلاقية الحمراء، ولم يتصرف كقائد لشعب مقاوم وانما كتابع يستجدي العطف والشفقة، ويتذلل طلبا للمغفرة والرضا، وهذه ليست من صفات القادة الاحرار والمناضلين المستعدين للتضحية بأرواحهم من اجل كرامة شعوبهم.
لم نفاجأ بمثل هذا المسلك المشين للسيد عباس، فقد كان رأينا فيه سلبيا منذ ان طعن الانتفاضة الفلسطينية في مقتل بهندسته لاتفاقات اوسلو، وكال الاساءات للمقاومة وشرفائها ومقاتليها، عندما وصف العمليات الاستشهادية بـ الحقيرة ، وتباكي علي مـــعاناة اليهود علي مر تاريخهم في خطابه في قمة العقبة عندما قبل ان يكون بديلا امريكيا ـ اسرائيليا لرئيسه ياسر عرفات، ولم يتطرق بكلمة واحدة للشعب الفلسطيني ومعاناته.
حركة فتح التي قادت النضال الفلسطيني علي مدي اربعين عاما، وقدمت آلاف الشهداء وما زالت، تستحق قيادة افضل من السيد عباس والجوقة التي تلتف حوله، وتزين له التفريط بالثوابت، والارتماء تحت اقدام اولمرت لاستعادة امجاد الفساد الغابرة، هذه الحركة يجب ان تقول كلمتها، وان تقدم مصلحة الوطن علي المصلحة التنظيمية الضيقة في هذا المنعطف الاخطر في تاريخ القضية الفلسطينية. فقد بلغ الغنج مداه وفاق كل الحدود.