اعلان رسمي للحرب الطائفية

ان تقتحم الميليشيات الشيعية حيا سنيا في قلب مدينة بغداد وعلي بعد مئات الامتار من مطارها، وتقيم حواجز وتقتل المواطنين علي الهوية، فترد جماعات سنية بتفجير سيارتين مفخختين امام حسينية شيعية وتقتل عشرين شخصا، فهذه هي الحرب الاهلية في ابشع صورها.

الشيخ ممد الفيضي المتحدث باسم هيئة علماء السنة قال ان ثمانين الف شخص من الطائفة السنية قتلوا في العراق وان عمليات تطهير عرقي تتم في وضح النهار في مدينة البصرة، ويشير باصابع الاتهام الي جيش المهدي.
جماعة مقتدي الصدر اصدرت بيانا يؤكد عدم تورطها في مجزرة حي الجهاد هذه، وينفي التأكيدات الامريكية وروايات شهود العيان في هذا الخصوص. ويظل السؤال هو عن الجهات التي تمارس عمليات القتل والتطهير العرقي.
في العراق حاليا 150 الف جندي امريكي مدججين باحدث الاسلحة والدبابات والطائرات، وحوالي خمسة وعشرين الف جندي من القوات المتعددة الجنسيات، و250 الف جندي عراقي موزعين بين اجهزة الشرطة والحرس الوطني، ومع ذلك لا تستطيع كل هذه القوي مجتمعة توفير الحماية للسكان، وبغض النظر عن طوائفهم واعراقهم، في احياء العاصمة العراقية، ناهيك عن مناطق العراق الاخري.
صحيفة لوس انجليس تايمز الامريكية اجابت عن هذا السؤال عندما نشرت في عددها امس وثائــق سرية تحتوي علي نتائج 400 تحقيق داخلي عن الفساد في صفوف قوات الشرطة العراقية ابرزها اختراق الميليشيات الطائفية لقوات الامن والحرس الوطني، واقدامها علي تكوين فريق الموت لاغتيال الخصوم وتعذيبهم، وخطــف الابرياء بهدف الابتزاز وفرض الخوات، واغتصاب المعتقلات وسرقة وتزوير آلاف جوازات السفر.
فقوات الامن التي انفق الامريكان مليارات الدولارات علي تدريبها وتأسيسها لتكون نموذجا في العراق الجديد تحمي امن المواطن وتطبق القانون، باتت هي التي تخترق القانون وتمارس القتل والخطف والتعذيب، وحماية اللصوص والفاسدين الذين يسرقون قوت الشعب العراقي وثرواته.
والقوات الامريكية ليست افضل حالا، فلم تكتف بتعذيب النزلاء في سجن ابو غريب، وقتل الابرياء في مجزرتي حديثة والاسحاقي، بل ذهبت الي ما هو ابعد من ذلك عندما اقدم عشرة من عناصرها علي اغتصاب طفلة عراقية بالتناوب ثم قتلها وجميع افراد اسرتها، واشعال النار في منزلهم لإخفاء معالم الجريمة.
حتي الامس القريب كانت اصابع لاتهام في القتل تتوجه الي ابو مصعب الزرقاوي ومجموعته، وتحمله مسؤولية العنف الطائفي المستشري في البلاد، وبعد ثلاثة اسابيع علي مقتله ازدادت عمليات القتل والتعذيب وتصاعدت اعداد الجثث مجهولة الهوية التي تكتشف يوميا في شوارع المدن العراقية او عائمة علي مياه نهري دجلة والفرات.
عمليات القتل علي الهوية بدأت قبل مقتل الزرقاوي، واستخدم الرجل كذريعة للاغراق في تصفية العراقيين وتوسيع دوائر التطهير العراقي لتقسيم البلاد علي أسس طائفية تحت ذريعة تطبيق الفيدرالية، تماما مثلما جري استخدام قانون تفكيك حزب البعث لاغتيال معظم العلماء والطيارين والكوادر العلمية والفنية العراقية لاسباب طائفية بحتة.
ابو مصعب الزرقاوي كان خارجا علي القانون، استغل حالة الفوضي الناجمة عن الاحتلال لممارسة عمليات القتل الطائفي من خلال السيارات المفخخة، ولكن ماذا نقول في قوات نظامية تلقت ارقي انواع التدريب العسكري، وتتبع حكومة منتخبة ديمقراطيا، تمارس القتل علي الهوية، وتنحاز لطائفة تشكل الاغلبية وتتولي مسؤولية الحكم في البلاد، ضد طائفة عربية اخري مضطهدة ومهمشة؟
حكام العراق الجدد لم يقدموا النموذج الذي وعدوا به الشعب العراقي عندما كانوا في المنفي، ولم يطبقوا الدستور الذي وضعوه وشددوا فيه علي حماية ارواح العراقيين، وصيانة حقوقهم، وازالة كل اشكال التمييز بينهم، وفرض سيادة القانون، بل مارسوا كل الانتهاكات التي اتهموا النظام السابق بارتكابها بل بزوها وزادوا عليها.
الشعب العراقي بكل طوائفه واعراقه يدفع ثمنا غاليا من امنه واستقراره ودمائه، بسبب حكم هؤلاء، والاحتلال الامريكي الذي اوصلهم الي الحكم، وراهن عليهم لبناء عراق مختلف يكون قدوة في الديمقراطية والحريات والازدهار لدول الجوار مجتمعة او متفرقة.
العراق، جديده وقديمه، يتآكل، ويتحلل، ويتحول الي صورة مسخ ليست لها علاقة بماضيه الذي يمتد لاكثر من سبعة الاف سنة، بلد بلا هوية وطنية، ولا مؤسسات، ولا طبقة وسطي، وبلا حاضر ومن الصعب ان نري له اي مستقبل مشرق.
في العراق الجديد فئتان، فئة تُقتل وفئة تقتل (بضم التاء)، الفئة الاولي تسرق وتنهب الثروات وتوزع الغنائم علي افراد ميليشياتها وعصاباتها، والفئة الثانية ليس امامها غير الموت والتعفن في الشوارع والأزقة، بعد ان عجزت ثلاجات الموتي عن استيعاب اعداد قتلاها.
الحرب الاهلية استمرت 17 عاما في لبنان الصغير، وما يقرب من العشر سنوات في الجزائر، والله وحده هو الذي يعلم كم ستستمر هذه الحرب الاهلية البغيضة التي بدأت تتضح ملامحها في العراق الجديد .
في لبنان كانت هناك وحدة حال بين معظم المثقفين والادباء، تجمع عي ادانة هذه الحرب والمنخرطين فيها، ولكننا لا نري الشيء نفسه في العراق للاسف، فقد تحول مثقفو هذا البلد الي شريحتين، الاولي متورطة في مشروع الحرب الطائفية وتقدم التبريرات لها، والثانية صامتة لا تستطيع رفع صوتها خوفا من الاتهام الجاهز بمساندة النظام البعثي السابق ومقابره الجماعية.
العراق يتعرض للاغتصاب، ويتحول الي مقبرة جماعية مفتوحة، وعمليات تطهير عرقي وطائفي علنية، ونهب لثرواته في فساد غير مسبوق علي ايدي ميليشيات يرفع معظمها راية الاسلام، واي اقتراب او حتي ملامسة لهذه الحقائق تترجم فورا الي اتهامات بموالاة النظام السابق والعمالة له. انه ارهاب فكري غير مسبوق.
عندما يتحدي العراقيون هذا الارهاب، ويتصدون لديكتاتورية الميليشيات، وينتفضون لتحرير بلادهم منها ومن الاحتلال التي جاءت علي ظهر دباباته، ويتحدثون عن المقابر الجماعية الحالية دون خوف او وجل، ويطالبون بالمصارحة والمصالحة، ومحاكمة كل الذين قادوا البلاد الي هذا المستنقع الدموي، ساعتها سيخرج العراق الجديد الحقيقي الي الوجود.