حرب ارادات تكسبها المقاومة

ما نشهده حاليا في لبنان وقطاع غزة هو حرب ارادات. اسرائيل تقصف البني التحتية اللبنانية، والفلسطينية (علي ضعفها)، لفرض ارادتها وهيبة جيشها، وحركات المقاومة الاسلامية تتحدي، وتستخدم كل ما في جعبتها من صواريخ ومقاتلين لكسر هيبة الجيش الاسرائيلي، ونقل المعركة الي العمق الاسرائيلي الذي ظل آمنا علي مدي خمسين عاما.

تدمير القوات الاسرائيلية لمحطات الماء والكهرباء والجسور وقتل اكثر من خمسين شهيـــدا في قطـــاع غـــزة لم يكســـرا ارادة الفلســـطينيين ولم ينجحا في الافراج عن الجـــندي الاسرائيلي الأسير، ومن غير المتوقع ان ينجح الاسلوب نفسه في تركيع المقاومة الاسلامية اللبنانية، والافراج عن الجنديين الاســـرائيليين اللذين اســـرتهما في عمليتها النوعية الجريئة قبل ثلاثة ايام.
الهجوم الاسرائيلي علي قطاع غزة انهي الانقسامات في الصف الفلسطيني، ووحد الجميع خلف فصائل المقاومة، وأبعد شبح الحرب الاهلية، ودحر التيارات الانهزامية المتعطشة للمفاوضات والتنازلات، وأعاد قضية الأسري بقوة الي الواجهة، مثلما اعاد صياغة الحركة السياسية الفلسطينية بصورة اعادتها الي منابتها الاولي بعد سنوات من التيه في صحراء الواقعية التفاوضية التي لم تثمر غير الشوك والحنظل.
والقصف الحالي للبني التحتية اللبنانية من مطارات وجسور ومحطات كهرباء وماء، وقتل مدنيين ابرياء، ربما يعيد توحيد جميع اللبنانيين او القسم الاكبر منهم خلف حزب الله، ويجبّ كل ما قبله من انقسامات وتكتلات تستمد قوتها من الدعم الامريكي المباشر، وتستخدم اغتيال الراحل رفيق الحريري كقميص عثمان لنزع الوجه العربي المقاوم عن لبنان.
المقاومة الاسلامية، بشقيها اللبناني والفلسطيني، ستدخل التاريخ باعتبارها تجرأت علي قصف مدن اسرائيلية مثل حيفا والمجدل وصفد وعكا ونهاريا بالصواريخ، مهددة الأمن الاسرائيلي الذي ظل خطا احمر التزمت الانظمة العربية في كل حروبها بعدم اختراقه.
اهم ما يمكن استخلاصه مما يجري حاليا في جنوب لبنان وقطاع غزة، هو نجاح المقاومة في كسر حواجز الخوف جميعا، والذهاب بعيدا في تحدي الغطرسة الاسرائيلية، وهو كسر سجل سابقة تاريخية، ربما تشكل بداية العد التنازلي لانهيار مجتمع العسكرتارية الاسرائيلي.
اسرائيل باستخدامها المفرط للقوة، لا تثبت انها دولة مارقة فقط، وانما تفقد اهم ما في جعبتها من اوراق ضغط نفسية، فاستخدام سلاح التدمير للضغط علي المدنيين للانفضاض عن المقاومة اعطي مفعولا عكسيا في فلسطين حيث باتت حركة حماس اكثر قوة وشعبية بعد الحصار والقصف والشيء نفسه نراه يتكرر في لبنان بالنسبة الي حزب الله .
لا يخالجنا ادني شك بأن فارق القوة كبير لصالح الدولة العبرية في هذه المواجهات، سواء في فلسطين او لبنان، وهو كان كذلك علي مدي الخمسين عاما الماضية، ولكن الجديد يتلخص في انهيار اسطورة الاعتماد علي الأنظمة العربية كعنصر اساسي في مواجهة المشروع الاسرائيلي، وتطور اساليب المقاومة، فحزب الله اقوي اليوم عشر مرات مما كان عليه الحال قبل عشر سنوات، او عشرين سنة، والسيد حسن نصر الله اعلن قبل ستة اشهر انه يملك في جعبته ثلاثين الف صاروخ قادرة علي زلزلة الكيان الاسرائيلي. اما المقاومة الاسلامية في فلسطين فطورت ادواتها القتالية بطريقة اعجازية واعتمدت علي قدراتها الذاتية في ابتداع حرب الانفاق، وتطوير صواريخ القسام من حيث الدقة والمسافة.
ولعل التطور الاكبر الذي يستحق التوقف عنده هو الذي ترسخ علي صعيد نوعية القيادات الجديدة للمقاومة الاسلامية، سواء في فلسطين ولبنان، فهذه القيادات ليست رهينة انظمة عربية واعتبارات دولية، واثبت السيد نصر الله صلابة غير عادية في ادارة المعركة، وتحديد مفاصلها، فقد بدأ بخطف الجنود الاسرائيليين، ثم التدرج في استخدام الصواريخ، وزيادة مداها وفق طبيعة الرد العدواني الاسرائيلي، ففي البداية ضربت صواريخ الحزب المستوطنات الشمالية، ثم صفد وشمال عكا واخيرا حيفا.
قيادة المقاومة الاسلامية اللبـــنانية والفلســـطينية قيـــادة مؤمنــــة لا تكذب ولا تناور، ان قالت فعلت، واهم من هذا وذاك انها لا تخاف الموت، ولا تهرب من المــــواجهة، وليــست علي اتصال مع الزعماء العرب الفاسدين المتخاذلين.
فالزعماء العرب باتوا خارج دائرة الفعل والتأثير، ولا احد يتصل بهم او يطلب مساعدتهم سواء من الوطن العربي او من العالم الخارجي، وهذا تطور خطير ومفيد. فجميع الوساطات التي تطوع بها زعماء عرب للافراج عن الجندي الاسرائيلي الأسير في غزة وصلت الي طريق مسدود لانه لا احترام لهم ولا تأثير لتهديداتهم، لوجود قناعة راسخة بانهم يحرصون علي اسرائيل وأسراها اكثر من حرصهم علي العرب وأسراهم.
اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي دعا اليه امين عام الجامعة العربية ويعقد يوم غد لن يكون له اي فائدة او تأثير، فالشارع العربي يراقب جيدا كيف لاذ الزعماء ناهيك عن وزراء الخارجية بالصمت، ولم يحركوا ساكنا، واداروا وجوههم الي الناحية الاخري.
الولايات المتحدة بالدرجة الاولي والاتحاد الاوروبي بالدرجة الثانية يتحملان هذا التطور الخطير في منطقة مشتعلة اساسا. فاطلاق يد اسرائيل في قطاع غزة قتلا وتدميرا وتشريدا هو الذي ادي الي فتح جبهة جنوب لبنان تضامنا، وعدم معالجة قضية الأسري العرب في سجون الاحتلال في الاتفاقات السابقة هو الذي ادي الي اللجوء الي اسلوب اسر الجنود الاسرائيليين لاستخدامه كورقة للافراج عن الأسري العرب.
الشعب اللبناني وللأسف الشديد سيدفع ثمنا باهظا لهذا التصعيد الاسرائيلي من امنه واقتصاده وبناه التحتية، ولكن اسرائيل ايضا ستدفع ثمنا ليس هينا من امنها واستقرارها وسمعتها الدولية.
اسرائيل تحرج اصدقاءها في الغرب بممارساتها الدموية هذه، وفي هذا التوقيت الحساس، حيث تواجه الولايات المتحدة ازمات متفاقمة في كوريا الشمالية والعراق وايران. وكان من المفترض في الصديق الاسرائيلي ان يراعي هذا الظرف الحساس، ولكنه لم يفعل، وانطبق عليه المثل الانكليزي الذي يقول مع هكذا اصدقاء من يحتاج الي اعداء! .