سقوط المرجعيات الرسمية

بدأت وفود الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي تتدفق الي العاصمة اللبنانية بيروت بحثاً عن ايجاد مخرج من الأزمة الحالية، وهذا قد يعني ان هناك نوايا لوقف اطلاق النار، وعدم توسيع دائرة الحرب بحيث تشمل سورية وايران مثلما خشي بعض العرب، وخاصة في كل من مصر والاردن والمملكة العربية السعودية.

مجرد الحديث عن وقف اطلاق النار هو هزيمة لاسرائيل، وانتصار للمقاومة، لان الضرر النفسي والمعنوي الذي لحق بالاسرائيليين اضخم عدة مرات من الضرر الذي لحق باللبنانيين والمقاومة التي تدافع عنهم.
نحن هنا لا نتحدث عن الاضرار المادية والبشرية، وانما عن السوابق التي سجلتها الحرب الحالية في صالح العرب، وخاصة قصف العمق الاسرائيلي، وتدمير مناطق حيوية في حيفا وطبريا ونهاريا، وإغراق مدمرة بحرية، وانزال مليون اسرائيلي الي الملاجئ للمرة الاولي في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
اسرائيل دولة تتمحور حول جيش قوي، وتستمد شرعية وجودها من تفوقه، وارهابه لجيرانه العرب. اي ان الجيش هو الذي اقام الدولة وثبتها وليس العكس. وهذا الجيش بات يعاني من عقدة لبنان ، ويقف عاجزاً، وللمرة الاولي، امام صمود المقاومة وتطور قدراتها القتالية.
في الماضي القريب، كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف محطات كهرباء بيروت، وجسر الدامور وما تيسر من بني تحتية، ولا يعترضها احد، الصورة الآن تغيرت، وشروط المواجهة تغيرت ايضا، وكشفت وقائع الايام الماضية ان كل عدوان اسرائيلي يواجه رداً عليه يساويه، ان لم يكن في حجم الدمار المادي والبشري، فبالحجم النفسي والمعنوي، والأخير اكثر تأثيرا وفداحة بالمقاييس الاسرائيلية.
القيادة العسكرية الاسرائيلية تشعر بحجم الهزيمة النفسية هذه، وربما الهزيمة العسكرية ايضاً، وعندما تحاول الايحاء بوجود دور ايراني او سوري في المواجهة، فكأنها تريد ان تقول انها لم تهزم امام حركة مقاومة هي حزب الله وانما امام قوي اقليمية كبري مثل ايران وسورية لتبرير فشلها في تحقيق اهدافها.
السيد حسن نصر الله الزعيم العربي والاسلامي الأقرب الي قلوب المليار ونصف المليار مسلم ظهر علي شاشات التلفزة امس صلبا قويا متحديا ليؤكد انه ما زال حيا لم يصب بأي سوء، متمتعا بالعزيمة نفسها، ومترفعا عن الرد علي الانظمة العربية العاجزة المتواطئة مع العدوان.
السيد نصر الله لم يستجد دعم الأنظمة العربية، ولم يتوسل للشعوب لكي تتحرك، ولم يتطرق الي كلمة وقف اطلاق النار في كلمته، وقدم نموذجا فذا لقيادة تعرف كيف تدير الأزمة، وتقود المعارك في الوقت نفسه. ولم يفرق بين لبناني وآخر، رغم ان جميع المناطق التي جري تدميرها هي في مناطق الطائفة الشيعية علي الأغلب.
الطائرات الاسرائيلية قصفت لبنان اكثر من مرة علي مدي الثلاثين عاما الماضية، ودباباتها وصلت الي بيروت، فلا جديد في هذا، ولكن الجديد الذي يستحق ان نتوقف عنده ان الغالبية الساحقة لحركات المقاومة الاسلامية التي تحارب اسرائيل، وتتصدي لعدوانها سواء في بيروت او الضفة وغزة، هي حركات اسلامية، ليست لها اي علاقة، مباشرة او غير مباشرة، بالانظمة العربية، ولهذا قرارها مستقل، واذا كان غير مستقل، فهو يخضع لمرجعية وطنية عربية، او اسلامية معادية لامريكا واسرائيل.
يجادل النظامان المصري والسعودي بان اجندة المقاومة الاسلامية في لبنان ايرانية، وربما يكون هذا صحيحا، فما العيب في ذلك، اليست الأجندة الايرانية المسلمة اكثر شرفا ووطنية من اجندة هؤلاء الامريكية الاسرائيلية؟
الم تحتضن المملكة العربية السعودية ومصر الاجندة الامريكية والايرانية في العراق بمساندتها الاحتلال الامريكي والسماح للقوات والطائرات الامريكية بغزو بغداد وقصفها انطلاقا من قواعدها العسكرية والجوية في تبوك وعرعر؟
نضيف سؤالا آخر وهو: الم تستقبل العاصمة السعودية الرياض وعلي اعلي المستويات السيد محمد باقر الحكيم (قبل مقتله)، والسيد عبد العزيز الحكيم شقيقه، ثم الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء زعيم حزب الدعوة، ثم السيد نوري المالكي الذي خلفه في رئاسة الحكومة، واخيرا السيد مقتدي الصدر، وجميع هؤلاء هم رؤوس حربة المشروع الايراني في المنطقة، بينما لم تستقبل، وحتي هذه اللحظة، الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين وهو نقيض الاجندة الايرانية في العراق.
الشعب العربي لم يعد غبيا يسهل تضليله، كما ان زمن التعتيم الاعلامي قد ولي، فالعالم الآن بات حارة مفتوحة يشهد تدفقا للمعلومات غير مسبوق، حيث القنوات الفضائية تنقل بالصوت والصورة كل ما يجري علي الارض، وتفضح عجز النظام العربي الرسمي بصورة غير مسبوقة.
مؤتمرات النظام الرسمي العربي، سواء علي مستوي القمة او وزراء الخارجية لم تعد تحظي بالاحترام، ولا تقدم اي معلومة جديدة، حتي ان السيد عمرو موسي كان محرجاً في ختام الاجتماع الاخير ولم يجد ما يمكن ان يواجه به الرأي العام العربي من خلال مندوبي الاجهزة الاعلامية غير اعلان موت العملية السلمية، واتفاق جميع الوزراء العرب علي هذه المسألة، واتخاذهم قرارا بالذهاب الي مجلس الامن واعادة الامانة اليه.
سبحان الله، لقد تأخر السيد موسي كثيرا، وفسر الماء بالماء بعد جهد جهيد. وقدم عذرا اقبح من ذنب. فماذا سيفعل مجلس الامن للعرب، وهل نحن بحاجة الي قرارات جديدة، فهناك ستون قرارا في حاجة الي تطبيق فليتفضل النظام الرسمي العربي بتطبيق واحد منها علي غرار حماسه لتطبيق قرارات صدرت ضد العراق وتحول بسببها الي فوضي دموية ومقبرة جماعية وحرب اهلية طائفية؟
دعونا نكون صريحين، ونعترف بموت النظام الرسمي العربي، وظهور مرجعية المقاومة الاسلامية في لبنان وفلسطين وتراجع بل وانهيار جميع المرجعيات الاخري ومؤسساتها وخاصة الجامعة العربية.
العالم الآن يتفاوض مع حزب الله ويستجدي اشارة منه مثلما قالت السيدة ميركل رئيسة وزراء المانيا امس. اما مرجعيات النفط، ومعاهدات السلام، والتبعية لامريكا ففي طريقها للانقراض ان لم تكن انقرضت فعلا.