اجندة ايرانية.. أم اسرائيلية؟

تستمر حرب الابادة الاسرائيلية في لبنان، ويستمر معها الصمت العربي الرسمي والشعبي، فيوم امس سقط عشرات الشهداء، وواصلت الطائرات الاسرائيلية غاراتها علي العاصمة بيروت تبحث عن هدف تعيد تدميره.

واللافت ان توازناً للرعب يتبلور مع كل يوم يطول فيه امد الحرب، فالاسرائيليون يحذرون المقاومة الاسلامية (حزب الله) من قصف تل ابيب او المعامل البتروكيماوية في ميناء حيفا لأن الرد سيكون علي شكل تدمير محطات الكهرباء في بيروت، وتلتزم المقاومة بعدم التصعيد اكتفاء بهذا الانتصار.
وجديد هذه المواجهة ايضا ان الرئيس جورج بوش بات يتحدث عن سورية كمرجعية يري انه لا بد من اللجوء اليها والتفاوض معها للتوصل الي وقف لاطلاق النار، الأمر الذي يشكل انقلابا في موازين القوي السياسية والدبلوماسية في المنطقة. فمن يدعم المقاومة يكتسب شرعية دولية، ومن يقف ضدها، او حتي علي الحياد يطويه النسيان.
فالسيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية التي تعتزم شد الرحال الي المنطقة في الايام القليلة المقبلة لإيجاد مخرج للأزمة الحالية في لبنان، ربما لن تذهب الي الرياض والقاهرة وعمان، وان ذهبت فللمجاملة فقط، لان زعامات هذه الدول، الي جانب رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية باتت خارج دائرة الفعل، ولا تملك اي دور في مسألة الرهائن الاسرائيليين العسكريين، او طبيعة الصراع الدائر حاليا علي ارض لبنان.
ان ما قاله السيد وليد جنبلاط الزعيم الدرزي اللبناني من ان هذه الحرب هي صراع سوري ـ ايراني من ناحية واسرائيل من الناحية الاخري هو صحيح تماماً، ويتناغم مع مواقف المثلث العربي الجديد (السعودي ـ المصري ـ الاردني) التي تحظي بامتداح اسرائيلي غير مسبوق، ولكن الصحيح ايضا ان انكفاء هذا المثلث، داخليا، وابتعاده عن القضايا العربية المركزية، وتبنيه مشاريع الهيمنة الامريكية هو الذي خلق الفراغ الراهن في المنطقة العربية، مما ساعد علي شغره ايرانياً، وبالقوة التي نشاهدها حاليا في لبنان والعراق وفلسطين.
الموقف العربي الرسمي من حركة حماس هو الذي دفعها الي البوابة الايرانية السورية. ومساندة المشروع الامريكي في العراق، وتغطيته سياسيا وماليا، هو الذي ادي الي تراجع النفوذ العربي امام تعاظم النفوذ الايراني. وتجاهل الموقف الرسمي العربي لحزب الله بالكامل لعلاقته بطهران، كذلك انحياز هذا الموقف الي التكتلات اللبنانية ذات الارتباطات والتوجهات الغربية، والامريكية علي وجه الخصوص دفعا المقاومة لادارة الظهر للعرب الرسميين، وتوثيق علاقاتها مع ايران وسورية والشارع العربي.
المثلث العربي الجديد اخطأ الحسابات وهو في بدايات تكوينه، فيما يتعلق بالأزمة الحالية في لبنان، عندما استهان بقدرات المقاومة الاسلامية، في لبنان وفلسطين، والمزاج الشعبي العام الداعم لها. وجاءت النتائج كارثية عليه. فالشعوب لا تنسي، وذاكرتها حديدية، وهي تمهل ولا تهمل .
وربما يفيد التذكير بانه عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت في صيف عام 1990، لم تقل المملكة العربية السعودية ومصر، زعيمتا حملة تحرير الكويت في حينه، ان الرئيس العراقي صدام حسين اخطأ، وعليه ان يحل المشكلة بنفسه، مثلما تقولان حالياً لحزب الله اللبناني، بل توجهتا الي الجامعة العربية لاستصدار قرار بتحليل الاستعانة بالقوات الامريكية لاخراج القوات العراقية من الكويت في سابقة تاريخية لم تشهد لها المنطقة مثيلا.
الكويت الدولة الصغيرة تعرضت لاجتياح عربي من جار قوي، ولبنان الصغير يتعرض لعدوان من جار اسرائيلي قوي، في الحال الاولي تحركت الأنظمة وجيوشها واموالها، وبدأنا نسمع عن الشرعية الدولية وازالة دولة عضو في الامم المتحدة من الخريطة، اما في حالة لبنان فلم يتحرك احد، وكأن لبنان ليس عضوا في الامم المتحدة ناهيك عن كونه عربيا.
ولعل موقف وعاظ السلاطين وبعض الاقلام الصحافية هو الأكثر استغراباً من موقف الانظمة. وقد شاهدنا علي الفضائيات العربية من يؤيد الموقف السعودي الرسمي الذي يلقي باللوم علي حزب الله في الأزمة الحالية، بينما لم يعارض هؤلاء انفسهم الاستعانة بـ الكافر الامريكي، حسب تصنيفهم، لاخراج قوات العراق من الكويت.
نشعر بالأسف، والحزن الشديد، لكل روح تزهق، وكل بيت يدمر، وكل اسرة تشرد في لبنان وفلسطين، فهؤلاء اهلنا، بل خيار اهلنا، لانهم يقدمون تضحياتهم هذه نيابة عن امة، ودفاعاً عن عقيدة، في مواجهة نازية جديدة مدعومة من امبراطورية الشر الامريكية.
الحرب الحالية التي تشنها اسرائيل علي لبنان ستعيد صياغة المنطقة العربية من جديد، ولكن علي أسس جديدة، ومختلفة، حرب ستنتهي حتماً بخسارة اسرائيل، وتوجيه ضربة قوية اخري الي مشاريع الهيمنة الامريكية في المنطقة.
اننا لا نستغرب هذا التواطؤ الامريكي مع هذه الحرب التدميرية للعاصمة اللبنانية من قبل الاسرائيليين. فالاسرائيليون يفعلون ببيروت ما فعله الامريكيون بمدينة دريسدن الالمانية عام 1945 حيث دمروها بالكامل وهي مدينة الفن والفنانين والمبدعين ولم يكن بها بندقية واحدة. وجاء هذا التدمير بعد انتهاء الحرب وحسمها لصالح الحلفاء. ويبدو ان هناك حقدا مماثلا علي بيروت ولبنان بشكل عام بسبب هويته الثقافية والتنويرية في المنطقة.
لبنان تعرض للتدمير، والخسارة وقعت ولم يبق الا القليل الذي لم يدمر بعد، وهو علي اي حال في مناطق تقف في الخندق المواجه للمقاومة، والصحوة العربية الحالية، ولكن الدمار الحقيقي الذي سيلحق بالمشاريع الامريكية وهيبة القوة العسكرية الامريكية علي المديين المتوسط والبعيد، اكثر بكثير.
الحرب التي تشنها اسرائيل علي لبنان، حرب علي جسور ومطارات وطرق وسيارات اسعاف، وهي حرب غير اخلاقية بكل المقاييس، ولن تعطي الا نتائج عكسية تماماً، فحزب الله لن يفرج عن الجنديين الأسيرين، ومعظم اللبنانيين توحدوا خلف المقاومة. والاخطر من ذلك، بالنسبة الي اسرائيل وامريكا، هو بزوغ هلال المقاومة الذي يمتد من العراق الي لبنان. وعلينا ان نتصور شكل المنطقة اذا انتقلت بعض الجماعات المقاتلة في العراق الي جنوب لبنان، ومعها خبراتها.
اسرائيل اعادت لبنان الي صورته التي كان عليها في السبعينات وبداية الثمانينات. واصبح لدينا حاليا دولة فاشلة جديدة تضاف الي دول اخري مماثلة في افغانستان والعراق والصومال والمناطق الفلسطينية المحتلة. وهذه هي ابرز ثمار الحرب الامريكية علي الارهاب و الفوضي البناءة التي بشر بها المحافظون الجدد.
الاجندة الاسرائيلية هي التي دمرت استقرار العالم وأمنه مثلما دمرت صورة امريكا وسياساتها الخارجية في العالم بأسره، واستنزفت قدراتها وامكانياتها في حروب لا يمكن ان تفوز فيها. والوضع لا يمكن ان يتغير الا اذا ادركت امريكا والغرب من خلفها ان مصالحها تتناقض مع هذه الاجندة الارهابية العنصرية.