القمة العربية وشروطها

لا نعتقد ان القمة العربية الطارئة التي دعا لعقدها اليمن ستلتئم الا اذا توافق القادة العرب المشاركون فيها علي ادانة حركتي المقاومة الاسلامية حماس و حزب الله لاسرهما الجنود الاسرائيليين الثلاثة، وتحميلهما مسؤولية الدمار الناجم عن العدوان الاسرائيلي الحالي في فلسطين ولبنان.

فقد بدا واضحا من خلال ما تسرب عن اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة، والبيانات المشتركة التي صدرت عن اجتماعات الزعماء العرب، وتغطية وسائل الاعلام العربية الرسمية لعمليات التدمير الاسرائيلية المتواصلة للبنان، ان النظام الرسمي العربي في معظمه، يقف في الخندق الامريكي ـ الاسرائيلي ويساند العدوان الاسرائيلي بطريقة مباشرة او غير مباشرة، تحت ذريعة الخوف من الاجندات الايرانية في المنطقة.
ولذلك لم يكن غريبا ان يشيد المسؤولون الاسرائيليون بمواقف كل من مصر والاردن والمملكة العربية السعودية التي تصف مقاومة حزب الله وحماس، بالمغامرات المتهورة، ويعتبرون هذه المواقف تشكل سابقة علي درجة كبيرة من الأهمية، لانها تشكل تأييدا للقرار الاسرائيلي بتصفية حزب الله وحركة حماس وتطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559.
ولان الدول المعتدلة تشكل الثقل الاكبر في مؤسسة القمة العربية، سواء بسبب قدراتها المالية الضخمة (السعودية ودول الخليج) او ثقلها البشري الكبير (مصر) فانه من المتوقع ان تفرض مواقفها علي القمة الجديدة في حال انعقادها، وتحاول استصدار قرارات تؤكد عليها.
وهناك سابقة يمكن الرجوع اليها لاثبات هذه الحقيقة، وهي ان الدول نفسها، التي شكلت تكتلا بعد ذلك تحت اسم دول اعلان دمشق استغلت القمة العربية الطارئة التي انعقدت في القاهرة في آب (اغسطس) عام 1990، لبحث الاجتياح العراقي للكويت، لاستصدار قرار يسمح باللجوء الي قوات امريكية لاخراج القوات العراقية من الكويت.
مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية الذي انعقد في القاهرة قبل اسبوع اعطي صورة واضحة عن مدي رضوخ معظم الانظمة العربية للاملاءات الامريكية دون مناقشة. ولم نسمع عن اي مشروع عربي للقيام بتحرك دولي لوقف اطلاق النار ومنع عمليات التدمير للبنان.
بل كل ما سمعناه في المقابل هو دفاع عن العدوان الاسرائيلي من خلال تحميل حزب الله المسؤولية بسبب خطفه للجنود الاسرائيليين.
فبدلا من ان يتحدث السيد عمرو موسي امين عام الجامعة العربية عن الوضع المأساوي في لبنان، ويقدم للشارع العربي المحتقن ما يمكن ان يشفي غليله من خطط عربية لانقاذ ما يمكن انقاذه ووقف المجازر الاسرائيلية، رأيناه يتحدث عن موت عملية السلام، وخطأ تسليم كل اوراقها الي الولايات المتحدة التي سلمتها برمتها الي اسرائيل، وبشرنا باتخاذ وزراء الخارجية العرب قرارا بـ الاجماع باعادة العملية السلمية برمتها الي مجلس الامن الدولي.
الانظمة العربية، تملك الكثير من اوراق القوة لو ارادت استخدامها في التصدي للعدوان الاسرائيلي، ابرزها تخفيض صادراتها النفطية ولو بمقدار مليوني برميل، فزمن وقف ضخ النفط قد ولي وبات تاريخاً، حتي يشعر العالم الغربي الداعم لهذا العدوان ببعض الألم، ويضطر للتحرك دفاعا عن مصالحه وسلامة اقتصاده.
نحن هنا لا نتحدث عن تجميد معاهدات السلام التي وقعتها دول مثل مصر والاردن مع الدولة العبرية، لاننا ندرك جيدا ان دولا لا تستطيع طرد قنصل اسرائيلي من عاصمتها احتجاجا لا يمكن ان تجرؤ علي خطوة كهذه تحتاج الي قيادات ذات بأس شديد، وهي للأسف غير موجودة.
العدوان الاسرائيلي علي الشعبين اللبناني والفلسطيني سيستمر لأسابيع وربما لأشهر قادمة، لانه مدعو من الولايات المتحدة وبعض الانظمة العربية، التي تبرر موقفها المستهجن هذا بخوفها من الاجندات الايرانية.
ايران تملك اجندات، وتقف فعلا خلف حزب الله وحماس، لانها دولة تملك مشروعا اقليميا طموحا، يرتكز علي بناء قوة عسكرية متقدمة من خلال صناعة محلية، يدعمها اقتصاد قوي، وعلاقات دولية طموحة مع القوي العظمي الناشئة مثل الهند والصين والاتحاد الروسي.
ومن حقنا ان نسأل عن المشروع العربي للدول التي تعارض هذا المشروع الايراني، وتمهد للتحالف مع اسرائيل وامريكا لمواجهته، وحصاره.
هل نفهم من حالة الذعر السائدة حاليا في بعض الاوساط الرسمية العربية من الدور الايراني، ان عمليات الاعداد لتشكيل جبهة عربية ـ اسرائيلية ـ امريكية مشتركة تتبلور استعدادا لأي حرب امريكية قادمة لتدمير البرنامج النووي الايراني، علي غرار الجبهة العربية المساندة للحرب الامريكية التي ادت الي اخراج العراق من الكويت في مرحلتها الاولي، ثم غزوه واحتلاله في مرحلتها الثانية؟
المشكلة ان الانظمة العربية تخوض حروب امريكا جميعا ودون مقابل، باستثناء وعد بمساعدتها للبقاء في سدة الحكم، ولكن يبدو، ومن خلال رصد حركة الاحباط وردود فعل الشارع العربي عما يحدث في لبنان، ان الدعم الامريكي ربما لم يعد يصلح كضمانة لبقاء هذه الانظمة. فمشاريع الهيمنة الامريكية في المنطقة تواجه النكسات المتلاحقة، فشل في العراق وآخر في افغانستان وثالث في فلسطين، ورابع في لبنان.
امريكا اعطت الدولة العبرية اسبوعا اضافيا لمواصلة عدوانها لانهاء حزب الله، وكم هي مخطئة في حساباتها. فاذا كانت المقاومة الفلسطينية الأقل تسليحا وتماسكا صمدت تسعين يوما امام الاجتياح الاسرائيلي البري والبحري والجوي، فان المقاومة الاسلامية في لبنان قد تصمد تسعين اسبوعا ان لم نقل تسعين شهرا او اكثر.
الحرب في لبنان تقف علي ابواب مرحلة جديدة بعد اجلاء الرعايا الاجانب، وتناقص الاهداف التي يمكن للطائرات الاسرائيلية استهدافها، اللهم الا اذا قررت القيادة العسكرية الاسرائيلية قصفا سجاديا، علي غرار ما حدث في تورا بورا في افغانستان، والقضاء علي الشعب اللبناني برمته.
فإطالة امد الحرب لن تكون في صالح الدولة العبرية، لانها لا تحتمل ان يقضي اكثر من مليونين من رعاياها الاسابيع او الاشهر المقبلة في الملاجئ، خاصة اذا ما وصلت الصواريخ الي تل ابيب. فمخزون حزب الله من الصواريخ الذي يزيد عن ثلاثين الفا مثلما اعلن السيد حسن نصر الله، ما زال علي حاله ولم ينقص الا القليل، والسيد نصر الله، علي عكس معظم الزعماء العرب لا يكذب ولا يبالغ. وغالبا ما يقول ويفعل.
القصف الجوي لن يحسم الحرب لصالح الدولة العبرية، الا اذا تبعه اجتياح بري، واثبتت الاجتياحات الصغيرة التي جرت في الايام الثلاثة الماضية مدي استعداد مقاتلي حزب الله لمثل هذه الحرب اذا بدأت.
حزب الله لن يخرج مهزوما من هذه الحرب، فقد كسب احتراما والتفافا عربيين اسلاميين، واصبح القوة العسكرية والسياسية الاقوي والأهم في لبنان والمنطقة، واذا تم التوصل الي وقف لاطلاق النار، وجرت انتخابات رئاسية او نيابية في لبنان، سيقلب كل المعادلات، وسيكون هو من يشكل الحكومات، ويختار الرؤساء.