شكرا لهذه العجوز الفلسطينية

إسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل الأسبق وقائد هيئة اركان الجيش الاسرائيلي اثناء حرب حزيران (يونيو) عام 1967، له مقولة شهيرة ظهرت على السطـــح في الأيام القليلة الماضية، مفادها انه يتمنى ان يفيق من النوم في احد الأيام ليجد غزة واهلها قد غرقوا في البحر واختفوا.
لا نعرف ما اذا كان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الحالي يراوده الحلم نفسه، ولكن من المؤكد انه يعيش هذه الأيام ،وهو يستعد لخوض الانتخابات البرلمانية المبكرة، كابوسا مزعجا اسمه قطاع غزة يحرمه النوم وينغّص عليه حياته السياسية والشخصية، لسبب بسيط وهو انه نجح في ترويض معظم القادة العرب وإذلالهم وفشل في ترويض ابناء القطاع.
نتنياهو فعل كل ما يستطيع، وما لا يستطيع فعله، قصف القطاع بالطائرات والصواريخ، واغتال نشطاء، وشدد الحصار، وعرقل كل عمليات اعادة الإعمار، ومع ذلك ما زالت الصواريخ تهطل مثل المطر على مستعمراته الجنوبية دون انقطاع، وتصيب مئات الآلاف من مستوطنيه بحالة من الرعب والذعر.
القيادة العسكرية الاسرائيلية المصغّرة منها والمكبّرة في حال اجتماع متواصل، على امل التوصل الى مخرج من هذا الكابوس. فهل يرسلون الدبابات مجددا لاحتلال القطاع، ام يكتفون بالقصف، ام يعودون الى سياسة الاغتيالات لقادة حركات المقاومة؟
كل خيار من هذه الخيارات له ثمن باهظ سياسيا وعسكريا واخلاقيا، فالاحتلال يعني إطعام وتطبيب مليوني انسان، وتحمّل مسؤولية تعليمهم وأمنهم وتشغيلهم، وهذا عبء كبير لا تستطيع، بل لا تريد القيادة الاسرائيلية تحمله او حتى التفكير فيه، فقد اعتقدت انها تخلّصت من القطاع بانسحابها الأحادي منه، لتكتشف ان لعنته تطاردها، ثم انها لن تجد سلطة على غرار سلطة رام الله تريحها من هذا العبء، وتتولى عنها مسؤولية التنسيق الأمني ومنع كل اشكال المقاومة بما فيها الصراخ في الميادين العامة.
' ' '
اسرائيل استثمرت مليارات الدولارات في بناء 'معجزة' القبة الحديدية لاعتراض صواريخ المقاومة القادمة من غزة، لتكتشف ان هذه المعجزة اقرب الى الأكذوبة، امام 'طيور الابابيل الغزاوية'، فقد فشلت هذه القبة التي ليـــــس لها من اسمها اي نصـــيب في اعــتراض الا خُمس الصواريخ القسامية، وما تولد عنها من اصناف اخرى، بينما اربعة اخماس هذه الصواريخ حققت اغراضها في بثّ الخوف والهلع والرعب في نفوس المستوطنين، واغلقت المدارس، ودفعت بالبعض الى الملاجئ.
صحيح لم يسقط اي قتيل اسرائيلي من جراء هذه الصواريخ 'التنك'، على حد تعبير الرئيس محمود عباس وبعض المتحدثين باسمه، ولكن يكفي انها ذكّرت الاسرائيليين ،حكومة وشعبا، ان هناك مقاومة فلسطينية، مثلما ذكّرت العرب، او بالاحرى بعضهم، ان هناك شعبا يرفض الاستسلام ويوجه بوصلة الأمة الى العدو الحقيقي الذي يحتل الارض، ويهين شعبا عربيا غالبيته الساحقة من المسلمين اتباع المذهب السني، ونقول ذلك بكل أسف.
في الماضي كان بعض العرب يتذرعون بعدم دعم حركة المقاومة الفلسطينية في القطاع، سواء كانت 'حماس' او 'الجهاد' او لجان المقاومة الشعبية، لأنها حركات 'شيعية' مدعومة من ايران وحزب الله، ومن فضائل الأزمة السورية اسقاط هذه الذريعة، فقد انقلبت الحركتان (حماس والجهاد) على الحليف السوري، وادارتا الظهر للداعم الايراني، واغلقتا جميع مقراتهما في دمشق، وانضمتا الى 'اهل السنة والجماعة' حسب التوصيف المستخدم، ولم يعد بعض معارضي الحركتين يعايرون انصارهما بتهمة 'التشيّع'، مثلما كان عليه الحال في السابق.
حكومة مصر هي الوحيدة تقريبا التي تقدم الدعم السياسي لحركات المقاومة الفلسطينية رغم ظروفها الداخلية الاقتصادية والسياسية الصعبة، وترفع 'الكارت' الاحمر في وجه اسرائيل، محذرة من اي اجتياح او عمليات اغتيال، مهددة بطرد السفير الاسرائيلي واغلاق سفارته اذا ما تجرأت اسرائيل على اختراق الخطوط الحمر.
هذا الموقف المصري الرسمي نابع من وجود دعم شعبي مصري صلب وغير مهادن للشعب الفلسطيني ومقاومته، فالمصريون الذين تسلقوا العمارة المحصّنة التي تحتمي فيها السفارة الاسرائيلية واقتحموها (في الطابق العشرين على ما اعتقد) ونثروا محتوياتها، وكادوا ان يفتكوا بطاقمها، لولا تدخل الرئيس باراك اوباما شخصيا، لا يريدون في معظمهم وجود العلم الاسرائيلي في سماء بلادهم، وسيتدفقون بالآلاف الى قطاع غزة لمواجهة اي عدوان اسرائيلي يستهدفه.
اسرائيل تعيش حاليا اكثر من مأزق، فهناك مأزق سياسي مع الولايات المتحدة ورئيسها اوباما الذي اعيد انتخابه رغم انف نتنياهو، الذي وضع بيضه كله في سلة ميت رومني المرشح الجمهوري، وهناك مأزق عسكري استراتيجي في الشمالين السوري واللبناني حيث ستنعكس النتائج سلبا عليهــــا، ايا كان المنتصــر، النظام او المعارضة، او حتى استمرار الصراع، لأن الفوضـــى الأمنية اكبر عدو لإسرائيل. وهناك ازمة اقتصادية بدأت تنخر عظم الميزانية، وهناك ازمة ايرانية نووية ما زالت تؤرق مضاجع القادة الاسرائيليين، سياسيين كانوا ام عسكريين.
' ' '
ربما تنجح الوساطة المصرية في تهدئة الاوضاع، وفرض هدنة جديدة، لا بأس، وليس هناك ما يمنع التقاط الأنفاس بالنسبة الى المحاصرين المجوّعين في القطاع المحتل، ولكنها لن تعمّر طويلا، وستعود الصواريخ، وتعود معها الوساطات، من اجل هدنة اخرى، وسيظل الكابوس الاسرائيلي الذي اسمه قطاع غزة مستمرا حتى يعود ابناء القطاع اللاجئون الى مدنهم وقراهم.
سيدة مسنة من بلدتي اسدود قالت في مقابلة مع محطة القدس التلفزيونية ،على ما اعتقد، انها على عكس السيد عباس، تريد ان تعود الى بلدتها وتموت وتدفن فيها، وتكلمت كلاما سيئا عن الرئيس عباس، الذي اكد انه يريد ان يزور بلدته صفد سائحا ولا يريد العودة اليها مقيما، ولا نستطيع تكرار كلماتها تأدبا.
اضم صوتي الى صوت هذه السيدة، فلسان حالها حالي، وحال ستة ملايين لاجئ فلسطيني يحنّون، بل هم مصممون على العودة الى كل مدنهم وقراهم في فلسطين.
Twitter:@abdelbariatwan

Email this page

وقد تم بالفعل قراءة هذا المقال498مرة

Print Friendly