سورية والجزرة الامريكية

يبدو واضحا ان الدولة العبرية التي واجهت قواتها اخفاقات عسكرية ملحوظة اثناء عدوانها الاخير علي لبنان سيكون من الصعب عليها ابتلاع الهزيمة امام حركة مقاومة هي حزب الله ولذلك من غير المستبعد ان تتحرك في الايام أو الاسابيع القليلة المقبلة في اتجاهين:

الاول عسكري: أي محاولة استكشاف نقاط الضعف والقصور في اداء القوات المسلحة التي ادت الي هذه النتيجة غير المسبوقة، واعادة الكرة مرة اخري من خلال شن عدوان جديد بخطط وقيادات عسكرية جديدة.
الثاني سياسي: اي اعادة تحريك العملية السلمية التي اعلن وزراء الخارجية العرب علي لسان السيد عمرو موسي أمين عام الجامعة العربية وفاتها رسميا اثناء اجتماعهم الطاريء في القاهرة لمناقشة الاوضاع في لبنان.
فتجربة الايام القليلة الماضية التي تلقت سريان مفعول قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701 تثبت ان القيادة الاسرائيلية تواصل عمليات الانزال وخرق الاجواء الجوية اللبنانية غير عابئة بالاتهامات الموجهة اليها بخرق القرار، فهي تريد منع وصول امدادات جديدة من الصواريخ والعتاد العسكري لحزب الله، ومحاولة اغتيال، او خطف، أحد قياديي حزب الله البارزة مثل السيد حسن نصر الله، او الشيخ محمد يزبك، وهذا ما يفسر عمليات الإنزال الفاشلة في بعلبك واطرافها.
حلفاء اسرائيل في واشنطن ولندن سيحاولون في الايام القليلة المقبلة مساعدتها علي الجبهة السياسية من خلال تحركات محسوبة تهدف الي تفريغ انتصار حزب الله من تداعياته العربية والاسلامية اولا، وتكوين تحالف عربي لعزل ايران.
فاللافت ان اللورد ليفي مستشار توني بلير رئيس وزراء بريطانيا يقوم حاليا بجولة في المنطقة العربية للتمهيد لزيارة رئيسه المقررة في الاسبوع المقبل، ومن المتوقع ان تشمل العواصم العربية الرئيسية مثل الرياض والقاهرة وعمان علاوة علي القدس المحتلة.
التحرك البريطاني المدعوم امريكيا، يركز علي امرين رئيسيين:
الاول: اعادة احياء خريطة الطريق، وتقديم بعض التنازلات للطرف الفلسطيني، مثل تخفيف الحصار واستئناف المساعدات المالية من قبل الدول المانحة، وفتح المعابر. وهذا ما يفسر التحرك الاخير للرئيس محمود عباس الذي تمثل في بدء المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية علي اساس وثيقة الأسري كرد علي مطالب حل السلطة بعد موجة الاعتقالات الاسرائيلية التي شملت رئيس المجلس التشريعي وأمين سره، وثلث اعضائه علاوة علي نائب رئيس الوزراء وتسعة من الوزراء.
الثاني: محاولة احياء العملية التفاوضية مع سورية عبر التلويح باستعداد اسرائيل للتنازل عن هضبة الجولان وفق معظم الشروط السورية وخاصة التواجد عند مياه بحيرة طبريا، اي مثلما كان عليه الحال قبل احتلال عام 1967.
الخطة الامريكية الجديدة التي ربما يحملها توني بلير اثناء جولته في المنطقة، ستركز علي كيفية ابعاد سورية عن ايران، وتحويلها الي منطقة عازلة بين ايران وحزب الله في جنوب لبنان، وبما يؤدي الي قطع الامدادات العسكرية الي الحزب، ووقف دعمها السياسي لفصائل المقاومة الاسلامية الفلسطينية وخاصة حركتي حماس و الجهاد الاسلامي .
هناك وجهتا نظر حول كيفية الرد السوري علي اي غزل امريكي علي صعيد استئناف المفاوضات حول هضبة الجولان:
وجهة النظر الاولي تقول ان النظام السوري بات معزولا عربيا ودوليا، ويواجه حصارا اقتـصاديا وسياسيا، وتحقيقات شرسة تتعلق بملف اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري ربما تفضي الي عقوبات وربما خطط لتغيير النظام، الأمر الذي قد يدفعه الي القبول بالجزرة الامريكية طالما انها تتضمن استعادة اراضيه المحتلة كاملة، ومعاهدة سلام مرتبطة بمساعدات مالية واقتصادية علي غرار المعاهدة المصرية ـ الاسرائيلية.
وجهة النظر الثانية تجادل بان سورية لن تخرج من تحالفها الاستراتيجي مع ايران مهما كانت الظروف والمغريات، لانها بنت كل حساباتها في الفترة الاخيرة علي اساس الاستمرار في هذا التحالف وتعميقه، ودعم حزب الله حتي النهاية. فالرئيس بشار الاسد قرر اعتماد خيار شمشون اي عدم الرضوخ للضغوط الامريكية، وقال صراحة في احد خطاباته ان ثمن المواجهة ارخص بكثير من ثمن التنازل.
ما يرجح وجهة النظر الثانية هذه، ان الرئيس الاسد خرج كليا من المثلث المصري ـ السعودي ـ السوري الذي صاغ سياسة المنطقة علي مدي الثلاثين عاما، وساهم في تسهيل الحرب الامريكية الاولي علي العراق، واعتماد الخيار السلمي كحل وحيد لتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والاكثر من ذلك ان الرئيس الاسد، وفي خطابه الاخير، انتقل الي خندق العداء الكلي للمثلث الجديد الذي حل فيه الاردن محل بلاده، عندما وصف القادة العرب بأنصاف الرجال، وحلفاء هؤلاء في لبنان بـ نتاج اسرائيلي .
فأي محاولة لعزل سورية عن ايران، تتطلب دورا مصريا ـ سعوديا فاعلا لاغواء القيادة السورية، ومثل هذا الدور غائب الآن في ظل القطيعة الحالية، والحملات الاعلامية المتبادلة، وقرار السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية التغيب عن اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد امس في القاهرة.
نصيب اي تحرك امريكي ـ بريطاني للتلويح مجددا بالخيار السلمي في المنطقة من النجاح يبدو محدودا للغاية، لان اهداف مثل هذا التحرك تنطوي علي انتهازية مفضوحة. فالشارع العربي بات لا يثق بادارة الرئيس بوش ولا بحليفها الاوثق توني بلير ولا يصدق أيا من وعودها. فقد سمع الشيء نفسه اثناء حرب تحرير الكويت ولم يتمخض مؤتمر مدريد الا عن خيبة الامل، وقبيل الغزو الامريكي للعراق حيث تولي بلير، نيابة عن امريكا، الترويج لخارطة الطريق، وتحدث الرئيس بوش عن دولة فلسطينية مستقلة قبل عام 2005، وسرعان ما تخلي عن هذه الوعود بعد نجاح مهمة قواته في اطاحة النظام العراقي في بغداد.
عدوان اسرائيلي جديد ربما لا ينجح في اعادة الهيبة المهدورة للجيش الاسرائيلي بل قد يأتي بنتائج معاكسة تماما تؤدي الي زيادة القلق في اوساط اليهود داخل الدولة العبرية وخارجها. ففي الماضي كانت القيادة الاسرائيلية تضرب وتقصف، وتنفذ عمليات انزال لجنودها في قلب العمق العربي، ولا تجد من يتصدي لها او يرد عليها، الآن تغير الحال، وبات اي انزال اسرائيلي يواجه بالرد وينتهي ليس فقط بالفشل وانما بخسائر بشرية.
امريكا كانت حتي الامس القريب تخوض حروب اسرائيل في العراق وافغانستان وفلسطين، الآن اسرائيل هي التي تخوض حروب امريكا في لبنان، وربما في ايران قريبا، ومن المتوقع ان تدفع ثمنا باهظا لاول مرة منذ انشائها. فالعلاقة مع امريكا لم تعد طريقا من اتجاه واحد، اي تكسب اسرائيل المال والدعم العسكري، وتلحق الهزائم بالعرب. وهذا هو اهم تطور استراتيجي ستتم علي اساسه صياغة ملامح الشرق الاوسط الجديد .