تحرك مفاجئ لاجهاض الانتصار

التصريحات المفاجئة التي ادلي بها الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي وحذر فيها من فقدان الهوية العربية لمصلحة هويات اخري وشدد علي اهمية تفعيل الجامعة العربية، تعكس حالة القلق التي تسود النظام الرسمي العربي، مثلما تعكس محاولاته اليائسة للخروج من الأزمة الراهنة التي يعيشها بسبب الغضب الكبير الذي يسود الشارع العربي حاليا، ويتمحور حول كيفية تغيير الانظمة الحاكمة العاجزة وبأسرع ما يمكن.

الأمير سعود الفيصل اعترف ان المرحلة الراهنة تستدعي هذا العمل الجاد والدؤوب لاستعادة ثقة شعوبنا العربية، واكتساب احترام المجتمع الدولي وهذا الأمر لن تحققه الامنيات، وانما العودة الي انتمائنا العربي، والعمل الجاد علي توضيح الرؤي وتوحيدها .
هذا الاعتراف الخطير يأتي متأخرا جدا ومحاولة يائسة لانقاذ نظام عربي رسمي فقد اهميته ومصداقيته، وبات يشعر بخطر الانهيار الوشيك بسبب الاحتقان الشعبي المتفاقم، وبروز تيارات اقليمية وعقائدية باتت اكثر اقناعا وقبولا لدي الشعوب العربية.
في اعقاب حرب العراق الاولي، التي سجلت فيها المملكة العربية السعودية سابقة الاستعانة بنصف مليون جندي امريكي، بالتعاون مع ضلعي المثلث (مصر وسورية) الذي حكم المنطقة لأكثر من ثلاثين عاماً، وأوصلها الي ما وصلت اليه من عجز واستسلام، وأودعها رهينة للهيمنة الامريكية، نقول في اعقاب هذه الحرب التي دمرت العراق تحت شعار تحرير الكويت ، خرج علينا منظرو تلك الحرب، بمقولة نتصارح ثم نتصالح وكانوا ينطلقون في هذا الشعار من نشوة الانتصار، علي آخر حصن للعروبة ، وبقايا فلولها في بعض الثغور الاعلامية العربية.
نقول الآن، وللأمير سعود الفيصل، بانه يجب علينا ان نتصارح فعلا اذا أردنا ان نصلح الوضع العربي ونعود الي هويتنا العربية المفقودة، لان هذه المصارحة ضرورية ومفيدة خاصة اذا استندت الي تحليل علمي يحدد الاسباب، ويشخص العيوب، ويضع رؤية واضحة للمستقبل، وفي اطار هذه المصارحة، نطرح النقاط التالية:
أولا: المملكة العربية السعودية كانت تقف دائما، وعلي مدي نصف القرن الماضي، ضد الهوية العربية، وتنفق عشرات المليارات من الدولارات لطمسها، ولمصلحة الهوية الاسلامية، ولهذا دعمت كل الجماعات الاسلامية، واسست منظمة المؤتمر الاسلامي كبديل للجامعة العربية، ثم بعد ذلك منظومة دول اعلان دمشق، ورصدت عشرات المليارات من الدولارات لكل حروب امريكا في المنطقة، وخاصة افغانستان والشيشان والعراق، وهشمت رموز التيار العربي ابتداء من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وانتهاء بالمنظمات والاحزاب القومية باعتبارها علمانية كافرة الي جانب حركات المقاومة الفلسطينية التي تستند الي الارضية نفسها، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
ثانياً: هذه الصحوة القومية السعودية تأتي كرد فعل علي انتصار كبير ، حققته المقاومة الاسلامية في لبنان، وهو الأول من نوعه في التاريخ العربي الحديث، وجاء بدعم اساسي من ايران غير العربية، اي انها ليست صحوة اصيلة منطلقها الحرص البريء ، وانما الخوف من سيادة المحور الايراني ـ السوري الجديد الذي يضم ايضا المقاومات الاسلامية في لبنان وفلسطين وبدرجة اقل في العراق. الأمر الذي يذكرنا بموقف مشابه اثناء بروز الثورة الاسلامية الايرانية والدعم السعودي للحرب ضدها.
ثالثاً: يعيش النظام السعودي حالة من الارتباك حاليا، مبعثها ثورة داخلية صامتة يقودها اصلاحيون ليبراليون من ناحية، وتيارات اسلامية متطرفة، الجناح الأول اي الليبراليون، يتحركون بطريقة حضارية، من خلال العرائض والبيانات المطالبة بالاصلاح، والجناح الثاني باعمال العنف الدموي. وكلا الجناحين يواجهان القمع في ابشع صوره. وازاء هذا الوضع الداخلي المتفجر، وتراجع نفوذه ومكانته، عربيا ودوليا واسلاميا، يحاول النظام ان يغير جلده، ويعيد ترتيب اولوياته، اي ان الهدف ليس انقاذ المنطقة، بقدر ما هو انقاذ نفسه.
رابعاً: تبني الهوية الاسلامية في مواجهة المد القومي العربي في الستينات والسبعينات، من قبل النظام في المملكة العربية السعودية، جاء تجاوبا مع مطلب امريكي، وفي اطار الحرب الباردة، وادي الي تقسيم العرب الي معسكرين: تقدمي ورجعي، وهو التقسيم الذي انتقده الأمير سعود الفيصل في تصريحاته المذكورة. فهل يا تري العودة حالياً الي الهوية العربية، التي يلوح النظام السعودي بتبنيها تأتي بايعاز من الولايات المتحدة وهي تستعد لخوض حرب ضد ايران لتدمير مفاعلها النووي ولمصلحة اسرائيل واسلحتها النووية ايضا؟
ما يمكن استنتاجه من خلال تصريحات الأمير سعود الفيصل، ان هناك محوراً جديداً يتبلور في المنطقة، يقوم علي اساس مثلث سعودي ـ مصري ـ اردني يريد توظيف المشاعر العربية القومية في خدمة المواجهة الامريكية المقبلة، والحتمية، مع ايران الاسلامية، تماما مثلما جري استخدام القومية العربية لتقويض الامبراطورية الاسلامية العثمانية لمصلحة الاستعمارين البريطاني والفرنسي في مطلع القرن العشرين.
احياء الهوية العربية وتعزيزها ليس خطأ، واي محاولة في هذا الاطار محمودة، ولكن ما هو محور اعتراض، هو طبيعة نوايا الجهات التي تقف خلف هذا الاحياء، والاهداف التي ترجو تحقيقها، وما اذا كانت لمصلحة الامة وشعوبها، ام لمصلحة جهات خارجية معادية لهذه الامة وطموحاتها.
الانظمة العربية الحالية، ومن ضمنها النظام السعودي تحديدا، لا تصلح لهذه المهمة النبيلة، وليست مؤهلة لها، لانها فقدت ثقة الشارع العربي عندما تحولت الي ادوات في خدمة المخططات الامريكية الاسرائيلية، ابتداء من تحطيم ثقافة المقاومة لمصلحة ثقافة السلام ، وفتح اراضيها وخزائنها لتمويل وتسهيل العدوان الامريكي علي العراق الذي ادي الي طمس هويته العربية واحداث خلل كبير في التوازن الاستراتيجي في المنطقة لغير صالح العرب.
نهوض الهوية العربية له مواصفات وشروط، ابرزها ان يكون علي اساس المقاومة، وفك اسس التبعية للمشاريع الامريكية في المنطقة، والتصدي للمشروع الاسرائيلي، وتوسيع دائرة المشاركة في السلطة علي اسس ديمقراطية، والتوزيع العادل للثروة، داخل الوطن نفسه، وداخل المنطقة العربية بأسرها بعد ذلك.
احياء الهوية العربية في اطار مشروع اجهاضي لحالة الصحوة العربية الاسلامية الحالية التي تجتاح المنطقة، تأسيساً علي الانتصار الأخير في لبنان، ومن قبل انظمة عربية متواطئة مع العدوان الامريكي ـ الاسرائيلي الاخير علي لبنان، هو دعوة مشبوهة يجب التعامل معها بحذر شديد، حتي لا نقع في حفرة جديدة لا نعرف كيف نخرج منها.
اكثر من ستمئة مليار دولار تدخل خزائن الانظمة سنويا علي شكل عوائد نفط، ويبدو ان هذه العوائد الضخمة (عوائد السعودية 220 مليار دولار سنويا) ستستخدم في غير صالح الأمة، ولخدمة حروب امريكا واسرائيل، تماماً مثلما استخدمت الطفرة المالية في الستينات لإجهاض المشروع الناصري للوحدة العربية، وفي أواخر السبعينات لاجهاض المقاومة والثورة الايرانية، وفي اوائل القرن الحادي والعشرين لتدمير الهوية العربية للعراق.
المصالحة الرائعة بين الهويتين العربية والاسلامية التي تتجسد علي ارضية المواجهة في لبنان هي اكبر تحد للمشروع الامريكي ـ الاسرائيلي، واثبتت انها الوسيلة الأنجع في هذا الصدد، وشاهدنا ونشاهد ثمارها في بدء انهيار المشروع التوسعي الاسرائيلي، ولهذا يجب الحفاظ عليها وتحصينها في مواجهة اي مشاريع ثقافية مشبوهة.