لنكسر الحصار علي لبنان

لا نعتقد ان النداء الذي وجهه السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني الي الزعماء العرب، وطالبهم فيه بتسيير رحلات بحرية وجوية الي الموانئ والمطارات اللبنانية، لكسر الحصار الاسرائيلي سيجد آذانا صاغية، لان الغالبية الساحقة من هـــؤلاء يخافون من رد الفعل الامريكي ـ الاسرائيلي اولا، وباتوا غير عابئــين بمعاناة الشعب اللبناني او اي شعب آخر ثانيا.

فالأمر بسيط للغاية، ويمكن تلخيصه ببضع كلمات وهي انه لو كانت اسرائيل تعطي اهتماما لرد الفعل العربي الرسمي لما اقدمت علي تدمير لبنان، وفرض الحصارين الجوي والبحري عليه.
النظام الرسمي العربي جبان بكل المقاييس، فاذا كانت حكومة اكبر دولة عربية وهي مصر لا تستطيع فتح معبر علي حدودها مع قطاع غزة خشية اغضاب الاسرائيليين، رغم تكدس الآلاف من المرضي علي جانبيه، فان علينا ان لا نتوقع من هذه الحكومة، او حكومات دول اخري اقل مكانة وامكانيات، ان ترسل طائراتها المدنية الي مطار بيروت لكسر الحصار الجوي الاسرائيلي الذي يجسد ابشع انواع البلطجة والاستكبار.
القادة الافارقة قدموا صورة مغايرة تماما، وضربوا مثلا في الشجاعة، عندما ركبوا طائراتهم المدنية وحطوا في مطار طرابلس الليبي في تحد غير مسبوق لقرار الحظر الدولي المفروض من قبل الأمم المتحدة، في تضامن مشرف مع الشعب الليبي وحكومته، وهو التضامن الذي دفع بالزعيم الليبي الي ادارة ظهره للعرب، والتهديد بالانسحاب من جامعة الدول العربية.
ماذا يمكن ان تفعل الحكومة الاسرائيلية لو ان خمسة زعماء عرب ركبوا طائرة مدنية وتوجهوا مباشرة الي مطار بيروت ودون اخذ الإذن منها، هل سيطلقون صواريخهم لاسقاط هذه الطائرة وقتل جميع من فيها؟ لا نعتقد ذلك، لان هذه جريمة كبري لا يمكن غفرانها من قبل المجتمع الدولي، ولان هؤلاء الزعماء هم من اقرب حلفاء امريكا وبالتالي اسرائيل.
لا نعتقد ان الصواريخ الاسرائيلية ستسقط طائرة تقل ملوك السعودية والاردن والبحرين وامير قطر ورئيس مصر علي سبيل المثال لا الحصر، خاصة اذا انطلقت من مطار القاهرة الذي تحط فيه الطائرات الاسرائيلية بشكل يومي، وتنعم فيه بالامان والاطمئنان.
ويظل لزاما علينا ان نذكّر السيد بري بأن الخطوة الاولي يجب ان تبدأ من اهل البيت، بمعني ان مسألة كسر الحصار الاسرائيلي يجب ان تكون مسؤولية لبنانية قبل ان تكون عربية. اي ان ترفض شركة الخطوط الجوية اللبنانية هذا الحظر الجوي، وتتمرد عليه، وتتوقف عن الرضوخ لشروطه، اي الخضوع للتفتيش المهين والمذل في مطار عمان الدولي.
السيد نبيه بري طالب النواب اللبنانيين من كل الكتل باعتصام دائم في المجلس النيابي حتي يتم فك الحصار، ومهما طال امده، وهي مطالبة مشروعة، وخطوة جيدة، ولكن ماذا لو توجه النواب جميعا الي مطار بيروت، واستقلوا بضع طائرات لبنانية، وتوجهوا الي عدة عواصم عربية ثم عادوا في اليوم نفسه الي المطار مباشرة دون التوقف في المحطة الاردنية او اي محطة اخري؟
اسرائيل لا تملك الحق في فرض هذا الحصار من جانب واحد، ودون اي مسوغات قانونية دولية، وصمت العرب علي هذه السابقة، وتعاونهم معها، سيؤديان الي تكرارها في عواصم عربية اخري في ما هو قادم من ايام.
فقد بدأت هذه الحصارات بالطرف العربي الاضعف، اي الطرف الفلسطيني، حيث جري تدمير المطار والميناء، ثم اغلاق المعابر، وحظر تحويل اي اموال الي السلطة، وعندما صمت العرب شعوبا وحكومات علي هذا الوضع المهين، بل وتعاونوا معه، وتقبلوا الحصار علي انه امر مشروع، نقلته اسرائيل الي لبنان تحت ذريـــعة منع وصـــول اسلحة الي حزب الله ، وكان الطائرات العربية القادمة من الرياض والقـــاهرة وعواصم الخليج الاخري ستكون جزءا من جســر جــوي لنقل الصواريخ الي المقاومة الاسلامية. ولن يكون مفاجئا اذا ما جاء الدور علي دمشق في المرة القادمة.
الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الاسبق كان محقا عندما طالب باغلاق مطار بيروت ولا القبول بهذا الحصار الاسرائيلي المهين. ولكن اغلاق المطار ليس هو الحل، بل ربما يثلج صدر الحكومة الاسرائيلية وجنرالاتها وبعض حلفائهم العرب. مطار بيروت يجب ان يظل مفتوحا، وان يستقبل طائرات تكسر الحظر، تهبط فيه محملة بالآلاف من العرب او حتي الاجانب المؤيدين للقضايا العربية الراغبين في لبس قفازات التحدي، ومن مختلف الاقطار، اذا تقاعست قياداتهم عن اخذ زمام المبادرة في هذا الخصوص. وانا اتمني ان اكون ضمن المجموعة الاولي التي تخرق هذا الحصار.
العدوان الاسرائيلي الاخير علي لبنان تمخض عن نتائج ايجابية عديدة علي الصعيدين العسكري والنفسي بالنسبة الي العرب، باتت معروفة للجميع ولا داعي لتكرارها، ولكنه كشف، وللمرة الاولي، تواطؤا عربيا رسميا مع هذا العدوان، حيث اشاد ايهود اولمرت علنا بالدعم العربي الذي تلقاه، اعلاميا وسياسيا. ولن يكون مستغربا اذا ما تطور هذا الدعم في الايام المقبلة، وتحول الي تحالف اسرائيلي ـ امريكي ـ عربي في مواجهة ايران.
فمن اللافت ان المسؤولين في النظام الرسمي العربي يعبرون عن خشيتهم من التدخل الايراني في الشؤون العربية، ولبنان والعراق علي وجه الخصوص، ويصفون الحرب الاخيرة في لبنان بانها حرب بين ايران وامريكا. وذهب الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الي ما هو ابعد من ذلك عندما طالب بعدم استخدام الهوية العربية في خدمة المخططات الايرانية في المنطقة.
هذا كلام جميل، ولا يختلف عليه اثنان، ولكن هل التدخل الايراني في الشؤون العربية الداخلية محرم ، بينما التدخل الامريكي الدموي في العراق محلل علي سبيل المثال لا الحصر؟
الأمة العربية بأسرها باتت محاصرة، وليس لبنان ومطاراته وموانئه فقط، فعندما ترضخ دول تتحدث عن سيادة وقرار مستقل لبلطجة اسرائيلية ضد بلد يتغني الجميع بحبه، ويتباكون علي مستقبله ورفاهية شعبه، فان علينا ان لا نستغرب اذا ما فرضت اسرائيل الجزية علي الحكام العرب، وتحكمت بانتاج النفط واسعاره، وفرضت ضباطا من مخابراتها لمراقبة الطائرات والسفن في المطارات والموانئ العربية مستقبلا. فبالأمس البعيد فلسطين، والأمس القريب العراق، واليوم لبنان، والحبل علي الجرار.