الرواتب مقابل الاعتراف

يبدو ان ضغوط التجويع التي مارستها قيادة السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الولايات المتحدة واسرائيل قد بدأت تعطي ثمارها الاولية، فحركة حماس وافقت علي تشكيل حكومة وحدة وطنية تتخلي فيها عن بعض وزارات السيادة ، مثل الخارجية والداخلية، وتفسح المجال امام السيد محمود عباس والمجموعة الملتفة حوله، للعودة مجدداً الي طاولة المفاوضات.

الاضرابات الاخيرة التي انطلقت في معظم مناطق الاراضي المحتلة، وتزامنت مع بداية العام الدراسي، هزّت حكومة حماس ، وجعلتها تعيد النظر في الكثير من مواقفها السابقة، ومن ضمنها ممارسة حقها في تشكيل حكومة بشكل منفرد باعتبارها القوة الفائزة في الانتخابات، والبحث عن مخارج للأزمة المالية الحالية، من خلال اتخاذ سياسات مرنة تجاه الاتفاقات الموقعة، والاعتراف بشكل موارب بالدولة العبرية.
خطة التجويع الامريكية ـ الاسرائيلية ـ العربية بدأت تعطي بعض النتائج المرجوة منها، فالعمليات العسكرية تراجعت قليلاً، والحياة بدأت تعود مجدداً الي شرايين خريطة الطريق التي اعلن السيد عمرو موسي امين عام جامعة الدول العربية وفاتها مؤخراً، وتسيبني ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية حطت الرحال في واشنطن امس الاول لوضع تفاصيل التحرك المقبل.
المثلث العربي الجديد، مصر والسعودية والاردن، يلعب دوراً كبيراً في تحريك عملية السلام الميتة، في محاولة من جانب اعضائه لمنع نتائج الانتصار في لبنان من ان تصب في خدمة الجناح العربي المتطرف المتمسك بالثوابت، اي جناح المقاومة الاسلامية، وهو يستعد حالياً لشحذ اسلحته المالية لرشوة الشارع الفلسطيني في حال نجحت حكومة الوحدة الوطنية في رفع الحظر الامريكي ـ الاسرائيلي عن وصول الاموال الي المتلهفين عليها.
الادارة الامريكية ادركت، وبضغوط من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الذي زار المناطق المحتلة مؤخراً، ان المنطقة بدأت تفلت من يدها، وان انهاء الحصار المالي والعسكري المفروض حالياً وبقسوة علي الفلسطينيين هو الخطوة الاكثر اهمية والحاحاً، لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وتدعيم مواقف الانظمة العربية المعتدلة حليفة واشنطن.
فاذا كانت المواجهة حتمية مع ايران بسبب تمسكها ببرنامجها النووي، فان احياء العملية السلمية، ولو مؤقتاً، هو الوصفة الدبلوماسية الأنجع لتسهيل بناء تحالف عربي سني يقف الي جانب المحور الغربي الذي سيفرض عقوبات اقتصادية وسياسية علي ايران كمقدمة للمواجهة العسكرية.
العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني لم يكن ينطق عن هوي عندما حذر قبل عامين من الهلال الشيعي الذي يمتد من ايران الي البحر المتوسط، فالمسألة لم تكن زلة لسان بقدر ما هي ثمرة استراتيجية امريكية جديدة، عبر عنها بلير بشكل ادق عندما قال ان هناك قوساً للتطرف الاسلامي يجب مواجهته بقوس من المعتدلين المسلمين، اساسه الدول العربية الحليفة والمثلث المصري ـ الاردني ـ السعودي علي وجه الخصوص.
الرئيس عباس هو نقطة الارتكاز الاساسية في قوس المعتدلين بينما تشكل حماس و حزب الله قلب قوس المتطرفين، او الهلال الشيعي، رغم كون الاولي سنية المذهب. فالعنوان الطائفي هنا ليس هو الذي يفرز المواقف، وانما العداء لامريكا ومشاريعها في الهيمنة ودعم الحروب الاحتلالية. فاسرائيل باتت محسوبة حالياً علي الهلال السني ، ولاعبا اساسيا فيه، وسمعنا من يقول من العرب، ان ايران باتت اخطر علي المنطقة من اسرائيل وامريكا. ويجد هذا الكلام احتضاناً و ترويجاً من قبل آلة اعلامية عربية، وسعودية علي وجه التحديد، بأذرع تلفزيونية واذاعية وصحافية جبارة.
الصراع الفلسطيني في الايام المقبلة لن يكون من اجل العودة الي مجلس الأمن، تناغماً مع قرار الجامعة العربية، لإيجاد بديل عن خارطة الطريق الميتة، وانما هو علي الحقائب الوزارية في حكومة الوحدة الوطنية، وكأن الدولة الفلسطينية المستقلة قد قامت، والانسحاب الاسرائيلي قد اصبح حقيقة.
السيدتان رايس (امريكا) وليفني (اسرائيل) شددتا علي ثلاث مسائل: نبذ الارهاب والالتزام بخريطة الطريق والاعتراف باسرائيل كشروط اساسية للقبول بحكومة الوحدة الوطنية هذه، ورفع الحصار عن الفلسطينيين، لانه لا يجوز التفاوض مع حكومة لا تعترف بالاخري.
المصيدة المنصوبة لحركة حماس باتت واضحة، فرفضها هذه الشروط يعني تحميلها مسؤولية استمرار الحصار والجوع، وقبولها يعني تخليها عن ثوابتها التي اوصلتها الي النصر الكاسح في الانتخابات الاخيرة.
العصا الامريكية الاسرائيلية الغليظة تتمثل في الحصار وعمليات القتل والاغتيال التي اسفرت حتي الآن عن استشهاد اربعمئة فلسطيني في غزة وحدها ثلثهم من الاطفال في الاشهر الاربعة الماضية فقط. اما الجزرة فهي دفع الرواتب المتأخرة مرة واحدة، وتجيير الفضل في هذه الثروة المالية الضخمة التي ستهبط علي الجياع الي الرئيس عباس، وليس الي حماس وحكومة الوحدة الوطنية التي ستترأسها في شخص السيد اسماعيل هنية.
السعودية، ودول الخليج الاخري، تقف علي اهبة الاستعداد، ليس لدعم المقاومة الاسلامية سياسياً وعسكرياً، وانما لقصف الارض المحتلة بالاموال بمجرد اعطاء واشنطن الضوء الاخضر لرفع الحصار. فالسيد عباس ورموز سلطته واجهزته الأمنية كانوا طوال الاسابيع الماضية في جولات مكوكية في عدة عواصم خليجية للتحضير للانقلاب الجديد ضد حماس وحكومتها، وحشد الاموال لإنجاز هذه المهمة.
ان اخطر انجاز حققته واشنطن وتل ابيب بالتعاون مع الرئيس عباس هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية وطنية الي قضية انسانية، وتقديم الشعب الفلسطيني الي العالم من شعب يقاتل علي مدي مئة عام من اجل ارضه وكرامته، الي شعب متسول ينتظر المساعدات الخارجية من اوكسفام والصليب الاحمر، تماماً مثل شعوب الدول المنكوبة بالمجاعات في اثيوبيا والصومال.
تشكيل حكومة وحدة وطنية امر جيد، ولكن علي اساس ثوابت المقاومة والحقوق الشرعية وللوصول الي الدولة المستقلة وعودة اللاجئين، وليس للوصول الي الرواتب مثلما هو عليه الحال حالياً. لا احد يؤيد الجوع والحرمان وعدم وصول الحليب للاطفال، ولقمة الخبز للكبار، ولكن ما هو موضع الاعتراض هو الثمن الذي سيدفع في المقابل.
المسألة، وباختصار شديد، هي حقنة تخدير جديدة ودسمة للفلسطينيين، والعرب بشكل عام، لتمرير المرحلة التمهيدية التي تشمل التحضيرات لضرب ايران، تماماً مثلما حدث قبل ضرب العراق وافغانستان، فليس هناك اي دلائل بحدوث اي شيء بعد حدوث الاعتراف الضمني من قبل حماس. فماذا جنت فتح قبلها عندما تجاوبت مع كل الشروط الامريكية والاسرائيلية في الاعتراف ونبذ الارهاب غير الهزيمة في الانتخابات والانقسامات الداخلية والاتهامات بالفساد؟
المأمول ان تتذكر جميع الاطراف المستوزرة ان الشعب الفلسطيني لا يعيش ازمة حكم وانما ازمة وطن.