محاكمة مهزلة وقاض ارعن

لا يحتاج المرء الي الكثير من البحث والتقصي لمعرفة مدي تدهور الاوضاع في العراق، فتكفي متابعة الفصول الاخيرة، من محاكمة الرئيس صدام حسين، ورفاقه، لإدراك نوعية العقلية التي تحكم هذا البلد، والمستقبل المظلم الذي ينتظره في ظلها.

القاضي الجديد خرج علي كل اصول الأدب واللياقة واحكام القانون، وتصرف كزعيم عصابة، او قائد فرقة ميليشيا، وهو يدير هذه المحاكمة، ولم يبق امامه، وربما هذا ما يمكن ان نشاهده في الجلسات المقبلة، غير ان يغادر مقعده، ويتوجه الي قفص الاتهام وينهال صفعا علي المتهمين، الواحد تلو الآخر، حتي يبزّ الآخرين من قبله، ويثبت انه مختلف في قوته وصلابته، واخلاصه لأسياده الامريكان الجدد، وازلامهم في حكومة العراق الجديد .
هذا القاضي مصاب بعقد نقص ترتقي الي درجة المرض العصابي، ربما عائدة الي ان والده كان مخبرا لدي السلطات الامنية التي يحاكمها حاليا، مثلما قال له، او بالاحري ذكّره، المتهم صدام حسين في الجلسة السابقة.
نفهم، ولا نتفهم، مثل هذه التصرفات الحمقاء، ومثل هذه الرعونة، لو كان نظام الحكم الذي يمثله هذا القاضي قد حقق الامن والرخاء والاستقرار والعدالة، وشكل مؤسسات راسخة علي اسس علمية محترمة، ومنظومة قضائية عصرية تستند الي الكفاءة، ولكن ما يجري علي الارض عكس ذلك تماما، فالأمن منعدم كليا، والقضاء مغيب، والخدمات الاساسية غير موجودة، فبعد اربع سنوات من الاحتلال ما زالت الكهرباء والماء مقطوعين، والطبابة متدهورة.
هذا القاضي، الذي بات واضحا للكثيرين انعدام كفاءته وجهله بالقانون، لم نسمع منه طوال الجلستين اليتيمتين اللتين رأسهما غير الطرد. طرد المتهمين، مثلما طرد هيئة الدفاع، وبطريقة تنطوي علي الكثير من الرعونة والغطرسة ولا نعرف ما هي المؤهلات التي اوصلته الي هذا الموقع غير الصبيانية والحقد الطائفي الاعمي والسلوك السيئ.
اما النظام الذي يمثله، فهو ليس اقل حقدا ورعونة منه، فقد حول البلاد الي مقبرة جماعية ، وتطهير عرقي، وفوضي دموية، وتفتيت جغرافي، ومرتع للصوص. فقبل ايام معدودة اكد احد تقارير الامم المتحدة الميدانية ان عمليات القتل والتعذيب في العراق الجديد فاقت نظيراتها بمراحل في زمن الرئيس العراقي الذي يقف حاليا في قفص الاتهام متهما بالتهم نفسها، مع فارق مهم، وهو ان هذا الواقف في قفص الاتهام ويتعرض للتطاول، لم يأت الي الحكم علي ظهر دبابة امريكية ولم يدع مطلقا انه يقف علي رأس نظام ديمقراطي.
التقارير الدولية نفسها تؤكد ان معدل الموت يصل الي اكثر من مئة جثة يوميا، معظمها مشوهة من شدة التعذيب قبل اطلاق النار علي رؤوس اصحابها.
حرق بالأسيد، ونزع اظافر، وخرق ركب بالمثقاب، وقطع السنة، وانتهاك اعراض حتي ان مشارح بغداد، وثلاجات حفظ الموتي في المستشفيات العراقية لم تعد تستوعب الاعداد الكبيرة التي تتدفق عليها يوميا، من القتلي.
سبعة آلاف عراقي قتلوا تعذيبا في شهري تموز (يوليو) وآب (اغسطس) الماضيين، حسب وثائق الامم المتحدة نفسها، في عراق جديد نصت الفقرة الاولي من دستوره الذي اعلن وسط زفة اعلامية، علي حماية ارواح ابنائه، ووقف كل اشكال التعذيب والتفرقة علي اسس الجنس والدين والطائفة.
الذين يستحقون المحاكمة هم اولئك الذين اوصلوا البلاد الي هذا المستنقع الدموي، وتعاونوا مع الغزاة الاجانب، وتآمروا ضد وحدة بلادهم وأمنها واستقرارها ووحدتها، اولئك الذين احتقروا علم البلاد وانزلوه من علي صواريه وكشفوا عن نواياهم الحقيقية في الانفصال من خلال تمزيق البلاد تحت ذريعة محاربة الدكتاتورية.
جميع الاعذار التي استخدموها لتبرير احتلال العراق لم تسقط تباعا فقط، بل انقلبت الي اضدادها، الواحد تلو الآخر. فقد تبين ان النظام السابق تعاون بالكامل مع الامم المتحدة، ومفتشيها، وقال الحقيقة عندما اكد تخلصه من كل اسلحة الدمار الشامل بينما كذب الآخرون في وضح النهار.
فبركوا التقارير حول وجود علاقة بين النظام وتنظيم القاعدة، فجاء الكونغرس ليؤكد ان غزو العراق هو الذي اوجد مثل هذه العلاقة، واعطي القاعدة ما لم تكن تحلم به من قواعد تدريب، واسلحة، وتربة خصبة، لتجنيد الانصار في حربها ضد الاحتلال الامريكي وعملائه.
حتي محاكمة الرئيس صدام ورفاقه جاءت بمردود عكسي تماما مناقض لكل الاهداف التي ارادت امريكا واتباعها تحقيقها من ورائها، فقد تبين من خلال مداولاتها انه كان هناك نظام قضائي ومحاكمات ومحامون، وعدالة في بعض الاحيان في ظل النظام السابق ادت الي تبرئة متهمين، وتعويض آخرين عن اضرار لحقت بهم.
ومن المفارقة ان هذه المحكمة اثبتت، دون ان تقصد، ان ابواب الرئيس العراقي كانت مفتوحة لكل مواطن يملك مظلمة، ولا نعتقد ان الشاهد الكردي البسيط الصادق الذي وقف في منصة الشهود لتقديم الأدلة علي تورط المتهمين في مجزرة حلبجة، كان مخبرا أو عميلا لصدام حسين، عندما اعترف بعفوية انه قابله شخصيا لشرح مأساته، مما دفع القاضي الي الخروج علي النص، والقول ان الرئيس صدام لم يكن دكتاتورا، ولكن الذين حوله هم الذين حولوه الي دكتاتور، وهو الخروج الذي كلفه وظيفته وأدي الي استبداله بالقاضي الحالي عديم الخبرة، والجاهل بأبسط قواعد القضاء، في محكمة تاريخية علي هذا المستوي.
العراق الجديد وصمة عار في جبين كل الذين عملوا من اجله، وتحولوا الي ادوات لتبرير قيامه، فالشيء الوحيد الذي ينمو فيه ويتصاعد، هو الارهاب والعنف، والقتل والتعذيب، وليس الديمقراطية وحقوق الانسان والانتعاش الاقتصادي، اي نقيض كل ما بشروا به، ووعدوا الشعب العراقي بتحقيقه.
عراق تحكمه الميليشيات، وفرق الموت، والزعامات الطائفية الحاقدة، واللصوص، ومافيات النهب والفساد. عراق اصبح اكثر مناطق العالم فسادا وخطورة بعد ان كان مضرب المثل في الامان والاستقرار للاغلبية الساحقة من العراقيين حتي في احلك ايام الحصار، وفي ظل اشرس الحروب ضراوة.
الرئيس بوش لم يعد يزور العراق متسللا، لرفع معنويات حكومته، والاشادة بديمقراطيته، والتأكيد علي نجاح مشروعه، والشيء نفسه يقال ايضا عن رامسفيلد ورايس وبلير، فقد بدأ يعترف بالنتائج الكارثية لحروبه هذه علي العراق والولايات المتحدة نفسها التي فقدت هيبتها وقيمها واخلاقياتها او ما تبقي منها.
بقي ان تصل الي النتيجة نفسها الاغلبية الساحقة والصامتة في العراق، بحيث تخرج عن صمتها هذا وتنحاز الي مصلحتها في الامن والاستقرار والماء والكهرباء والتعايش وليس الي الطائفيين المشعوذين الكاذبين المخادعين الذين باعوها الوهم والأكاذيب، واوصلوها الي هذا الوضع المحزن والمأساوي.