هذه ليست مصر التي نحبها

قبل ثلاثين عاما تقريبا، طفح الكيل بالزميل تركي السديري رئيس تحرير صحيفة الرياض السعودية، فكتب مقالا علي الصفحة الاولي تحت عنوان وزارة النفي انتقد فيه بشدة وزارة اعلام بلاده لان مهمة وزيرها باتت محصورة في نفي الانباء فقط وتعميم هذا النفي علي الصحف والاذاعة والتلفزيون من خلال وكالة الانباء الرسمية التي اطلق عليها لقب وكالة نفي للانباء. وكان نصيب الزميل السديري العزل من منصبه، والمنع من الكتابة لأكثر من عام.

تذكرت هذه الواقعة، وانا اتابع ما يجري في مصر من مفارقات غريبة تستعصي علي الفهم، ولا يمكن ان تحدث الا في جمهورية موز تنتمي الي العصر الحجري، وليس الي القرن الواحد والعشرين، وتفاخر بسبعة آلاف عام من الحضارة.
يوم امس الاول نشرت صحيفة فريميا نوفوستي الروسية حديثا للرئيس حسني مبارك بمناسبة زيارته المقبلة لروسيا، التي تبدأ غداً ويلتقي خلالها الرئيس بوتين، الرئيس مبارك نسي نفسه في الحديث، وأخذ راحته، وبدأ يوجه النصائح الي الرئيس الروسي بتعديل الدستور بما يسمح له بالبقاء في الحكم لدورة ثالثة. ولماذا لا فالرئيس مبارك يحكم منذ ربع قرن علي الأقل، وتعديل الدساتير لجعل الرئاسة مدي الحياة للزعماء العرب تقليد راسخ في معظم الدول العربية.
الرئيس مبارك لا يعتبر هذه النصيحة تدخلاً في الشأن الداخلي الروسي، ويعتقد ان انجازات بوتين هذه التي اعادت روسيا الي الخريطة الدولية كقوة عظمي بقوة، وأنهت الفساد وحكم المافيات، وأقامت دولة القانون والمؤسسات، لم تتحقق بفعل الديمقراطية واطلاق الحريات وانما بسبب الديكتاتورية، ولذلك يريد للرجل ان يقتدي به، وزملائه العرب الآخرين، ويستمر في الحكم لولاية ثالثة ورابعة وخامسة حتي يشتد عود اكبر ابنائه، وينخرط في البيزنس، فيشكل له حزبا خاصا، ولجنة سياسات، ويتم تعديل الدستور للمرة الثالثة او العاشرة بحيث يرث الحكم خلفا لأبيه.
الي هنا والأمر عادي، فمن حق الرئيس مبارك ان ينصح، ويصدر للآخرين تجربته الرائعة في حكم مصر، والانجازات العظيمة التي حققها في مجال الاقتصاد، والذرة، والقضاء المستقل، والحريات الديمقراطية، ولكن ما هو غير عادي، ان يخرج المتحدث باسم الرئاسة سليمان عواد لينفي كلياً ما قاله رئيسه للصحيفة، ويقول انه غير صحيح وجاء خارج سياق حديث الرئيس مبارك .
الحديث مسجل، وتمت الموافقة عليه من قبل الرئيس ومكتبه، وليس من مصلحة الصحيفة الروسية ان تنقل كلاما لم يقله الرئيس، فإما ان يكون الرئيس قد تقدم في العمر لدرجة لم يعد يسيطر علي كلامه وربما افعاله، واما ان يكون فعلا في كامل قواه العقلية ولكنه ادرك بعد نشر الحديث، والضجة التي احدثها، انه اخطأ فأوعز الي مكتبه لإصلاح هذا الخلل. فطالما انه يوجه النصائح بالانقلاب علي الديمقراطية فان من حق الآخرين ايضا ان ينصحوه بالكف عن التوريث والسيطرة علي عنق القرار المصري، وترسيخ الديكتاتورية الفردية في بلاده.
 
المرجح ان الرئيس مبارك لم يعد يمسك بزمام الأمور، ويسيطر علي اقواله، فهذه ليست المرة الاولي التي يتراجع فيها عن احاديث مسجلة ادلي بها لصحف ومحطات تلفزة وجري نفيها من قبل مساعديه مثل قوله ان الشيعة في العراق يدينون بالولاء لايران، وهو التصريح الذي جاهد مساعدوه لتخفيفه دون فائدة، فالرجل تقدم بالسن (79 عاماً)، واصبح يستمع الي اطبائه، مثل معظم الزعماء العرب، اكثر مما يستمع لمستشاريه، وهنا تكمن مأساة مصر والأمة والعربية بأسرها.(اذا وجدوا اصلا).
ويظل الأمر شبه مقبول، ولكن ما هو غير مسبوق، ان تنقلب الادوار، ويأخذ الرئيس دور المتحدث باسمه، ويبادر الي نفي انباء صدرت عن مسؤولين في حكومته، ونقلتها وكالة انباء مصر الرسمية، يتحدثون فيها عن تعزيز القوات المصرية علي الحدود مع قطاع غزة بأكثر من خمسة آلاف جندي، لحماية عشرين الف مواطن مصري من اي غارات تهدد حكومة اسرائيل بشنها علي ممر صلاح الدين الحدودي، لتدمير انفاق تقول ان المقاتلين الفلسطينيين حفروها علي جانبي الحدود لتهريب اسلحة متطورة.
لا نعرف بالضبط عما اذا كانت الحكومة المصرية عززت قواتها ام لم تعززها، وهل نصدق الرواية الاصلية، ام نفي الرئيس لها، واذا صدقنا كلام الرئيس وكذبنا اقوال المسؤولين، فهل هذا يعني ان ما قاله الرئيس مبارك للصحيفة الروسية هو الحقيقة بينما ما نفاه المتحدث باسمه هو الكذب بعينه؟
حقيقة نحن في حيرة من امرنا، خاصة عندما نسمع المتحدثين في الحكومة المصرية يقولون ان قرار تعزيز القوات هو امر سيادي، فالحدود هي حدود مصرية ـ فلسطينية ولا علاقة لاي طرف ثالث فيها، والمقصود هنا اسرائيل، فإذا كانت الحكومة المصرية تتمتع بالسيادة علي ارضها وحدودها، فلماذا لا تستخدم هذه السيادة لفتح معبر رفح الحدودي، ولا تترك امره بيد الطرف الثالث الاسرائيلي؟ اي لماذا يتم التخلي عن هذه السيادة بالكامل عندما تتعارض مع الاملاءات والمصالح الاسرائيلية، ولا يتم التمسك بها عندما تخدم المصالح المشتركة للشعبين المصري والفلسطيني؟
 
نأسف ان نقول ان هذه ليست مصر التي نعرفها وأدمنّا حبها وشعبها الطيب، فمصر تنحدر الي هاوية من الانهيار بلا قاع، والسبب ان حكامها شاخوا وفسدوا، ولم تعد مصالح الشعب المصري ناهيك عن الامتين العربية والاسلامية تحتل قمة جدول اهتماماتهم، والدليل الأبرز هو ما نشرته الصحف المصرية من فضائح وقعت للمحصنات يوم عيد الفطر المبارك.
فمن كان يتصور ان تتعرض حرائر مصر بمن فيهن المحجبات للتحرش الجنسي ونزع الملابس وتحسس اجزاء حساسة من اجسادهن في وضح النهار وفي اهم شارع في القاهرة وهو شارع سليمان باشا الذي يعتبر اكسفورد العاصمة المصرية، مثلما كتبت الصحافة المصرية نفسها؟
من كان يتصور ان تهرب فنانة جاءت لحضور افتتاح فيلمها، وفي الشارع نفسه، بعد محاولة تمزيق ملابسها من قبل مجموعة من الشباب المتوحش المهووس جنسيا، دون ان تتدخل الشرطة لحمايتها؟
الشرطة واجهزة الامن المصرية لم تعد مهتمة بحماية المواطن المصري، وحفظ النظام في الشارع، وانما حفظ النظام الحاكم فقط، ولذا باتت تطارد اعداءه، وتلفق الافلام الفاضحة لبعض رموز المعارضة المطالبة بالاصلاح مثلما حدث للزميل عبد الحليم قنديل الصحافي الناصري المعروف. فبعد الاعتداء عليه جسديا بعد خطفه من قبل بلطجية النظام وتركه عاريا في صحراء الاهرامات، ها هم يفبركون شريطا مزعوما له في وضع فاضح لإسكات صوته، وصوت كل من تسول له نفسه الدفاع عن مصر وشعبها في وجه طبقة الوحوش التي تحكمها حاليا. أليست قوات الأمن هي التي ادخلت ثقافة انتهاك الاعراض الي مصر عندما مزقت ملابس ناشطات حركة كفاية واعتدت عليهن جسديا وجنسيا؟
نكتب عن مصر لأننا نحبها، ولانها بوصلتنا ومصدر التغيير الحقيقي في منطقتنا، فاذا اتجهت يسارا اتجهنا معها، واذا تحجبت تحجبنا، واذا اطلقت حركة الاخوان فتحنا لها فروعا في مدننا وعواصمنا وقلوبنا، واذا اختارت القومية سرنا خلفها، واذا حاربت حاربت معها الأمة بأسرها.
السؤال الذي يجب ان يجيب عليه الرئيس والمتحدثون باسمه ليس عما اذا كان قد ادلي بأحاديث الي صحيفة روسية ام لا، او ارسل قوات اضافية الي الحدود مع رفح ام لا وانما هو ما الذي اوصل الشباب المصري الي هذه الدرجة من الانحدار بحيث يعتدون علي اعراض المحصنات في قلب قاهرة المعز وفي وضح النهار؟!