شكرا للرئيس جيمي كارتر

يتعرض الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر الي حملة اسرائيلية شرسة في الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية لانه تجرأ علي الكلام وكسر حاجز الصمت، وشبه الدولة العبرية بالنظام العنصري الابيض في جنوب افريقيا، وفضح انتهاكات حكوماتها لحقوق الفلسطينيين.

الرئيس كارتر تعرض لسلسلة من الاتهامات تبدأ بمعاداة السامية، وتنتهي بنشر الاكاذيب، وهو الرجل الذي فاز بجائزة نوبل للسلام، وحقق لاسرائيل اكبر انجاز استراتيجي في تاريخها القصير وهو توقيع اتفاقات كامب ديفيد التي شقت الصف العربي، وأخرجت مصر من المواجهة، واقامت اول علاقات دبلوماسية بين اسرائيل وبين اكبر دولة عربية.
كتاب الرئيس كارتر الذي يحتل حالياً قائمة الكتب الأكثر مبيعا جاء صدمة للوبي اليهودي، واختراقا لهيمنته علي المؤسسات السياسية والاعلامية الامريكية في وقت بات فيه العالم بأسره يدفع ثمنا باهظا لحروب المحافظين الجدد، انصار اسرائيل، في العراق وافغانستان وقريبا في ايران.
وربما يجادل البعض بان الرئيس كارتر لم يتحدث بهذه القوة، ويتجرأ علي مواجهة اللوبي الاسرائيلي الا بعد ان خرج من السلطة واقترب من المراحل الاخيرة لشيخوخته، وهذا صحيح، ولكن الرجل لم يعمّر في السلطة الا لدورة واحدة (اربع سنوات)، وعندما بدأ يتفهم حقيقة الصراع في المنطقة، خسر الانتخابات الرئاسية.
الرئيس كارتر انحاز الي ضميره كإنسان، وقرر ان يقول كلمته قوية حادة ضد دولة عنصرية خطفت من خلال انصارها البيت الابيض ودائرة صنع القرار فيه ووظفته في خدمة مصالحها وحروبها، للتغطية علي جرائمها في حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية بأسرها.
بكلمات اخري اكثر وضوحا، اثبت الرئيس كارتر انه اكثر شجاعة وجرأة من الغالبية الساحقة من الزعماء العرب الذين يتربعون علي عروش السلطة حاليا. فأتمني ان يسمي لي احد زعيما عربيا واحدا يجرؤ علي مقارنة اسرائيل بالنظام العنصري في جنوب افريقيا، واتحدي ان يكرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومن يلتفون حوله من شلة المعتدلين ما قاله الرئيس كارتر، وذلك في مؤتمر صحافي عالمي تحضره محطات التلفزة العالمية.
واذا كان الرئيس كارتر قال كلامه لانه خارج السلطة، فان الزعماء العرب لا يملكون هذا الترف، لانه لا يوجد زعيم عربي واحد علي قيد الحياة خارج السلطة، فجميعهم عدّلوا الدساتير، ومدّدوا لانفسهم في كرسي الحكم مدي الحياة. في الماضي كانوا يفوزون بالتجديد من خلال استفتاءات وانتخابات هم المرشحون الوحيدون فيها، بنسبة 99.9%، الآن اصبحوا يفوزون في انتخابات تبدو شكليا حرة، ولكن مع تخفيض نسبة الفوز الي 79% او 69%.
الزعماء العرب، او معظمهم، باتوا لا يتجرأون علي انتقاد اللوبي الاسرائيلي في واشنطن، ولو بشكل سطحي، لانهم اصبحوا في حاجة ماسة الي خدماته للوصول الي البيت الابيض وعطاياه وبركاته، سواء علي شكل مساعدات مالية او حماية عسكرية، او تسهيل عملية توريث السلطة في بلادهم لأنجالهم من بعدهم.
فمقر اللوبي الاسرائيلي ومؤسساته ومعاهده البحثية في واشنطن بات المكان المفضل لحجاج البيت الابيض من الزعماء العرب، والأكثر من ذلك ان قادة هذا اللوبي لا تنقطع زياراتهم للعواصم العربية حيث يفرش لهم السجاد الأحمر، ويستقبلون علي اعلي مستوي، ويجري تكريمهم وفق اصول الضيافة العربية التقليدية. ومن المؤسف ان هذا الاعتدال لم يؤد الا للمزيد من المستوطنات والمجازر والتصلب الاسرائيلي.
الرئيس كارتر بات يذكرنا بثوابتنا التي نسيناها، او تناسيناها بسبب الارهاب الفكري والسياسي الذي يمارس علينا من قبل الأنظمة واللوبي الصهيوني وبعض الجماعات العربية التي تتخفي خلف الليبرالية والواقعية والاعتدال.
فأي انسان عربي يشكك بحق اسرائيل في الوجود يعتبر متطرفا، او شعبويا او غوغائياً وأي كاتب يقول بأن فلسطين هي ارض عربية جري اغتصابها قبل ستين عاما فقط وتشريد شعبها، يوصف بأنه معاد للسلام، وأي فلسطيني يتمسك بحق العودة الي ارضه اسوة باليهود الروس او الفلاشا يتهم بانه غير واقعي يريد تدمير دولة اسرائيل المقدسة.
حتي الفضائيات العربية باتت لا تستضيف الا هؤلاء الواقعيين، وتصر في الوقت نفسه علي وجود الرأي الآخر الاسرائيلي بحجة التوازن والموضوعية المهنية. بينما لا نشاهد محطة تلفزيونية اسرائيلية واحدة تستضيف عربيا واحدا من مواطني الدولة العبرية يطالب بحق العودة ويتمسك به، ويساند المقاومة، ويصف اسرائيل بالعنصرية وهي كذلك.
المتحدثون الاسرائيليون يحتلون مساحات واسعة في فضائياتنا، ويتهموننا بالارهاب، ويدافعون عن مجازر حكومتهم في بيت حانون وجنين وشاطئ غزة، ويبررونها، اما عندما يطالب مثقف عربي بتحرير فلسطين، ويتحدث عن المجازر الاسرائيلية بانفعال، وينتصر الي المقهورين المجوعين، فانه يوضع علي اللوائح السوداء في معظم الفضائيات ويوصم بالتطرف وربما بالجنون مثله مثل أحمد الدقامسة الاردني او محمد خاطر المصري.
الرئيس كارتر يستحق منا كل الاحترام والتقدير لانه اعاد تذكيرنا بثوابتنا، وقال لا قوية للارهاب الفكري والاعلامي الاسرائيلي في الولايات المتحدة ومختلف انحاء العالم، وليس الاقبال الشديد علي شراء كتابه من قبل الامريكيين الا دليلا علي وجود صحوة يجب ان تعطينا الدافع للتحرير من عقدة الخوف من هذا اللوبي، سواء ككتاب او كزعماء او كمواطنين عاديين.
الزعيم الجنوب افريقي القس ديزموند توتو وقف في قلب واشنطن اثناء الحرب الثانية علي العراق الشقيق ليعلن ان اللوبي اليهودي خطف البيت الابيض ووظف القوة العظمي الوحيدة في العالم في خدمة المصالح الاسرائيلية، وطالب بوقفة عالمية في وجهه لمنع اخطاره علي البشرية، والرئيس الايراني احمدي نجاد لم يتردد لحظة في تحميل الغرب مسؤولية حرق اليهود في افران الغاز وحل المشكلة اليهودية علي حساب عرب فلسطين، وها هو الرئيس كارتر يعلق الجرس ويقارن بين اسرائيل وأبشع نظام عنصري في تاريخ البشرية.
ليس من بين هؤلاء زعيم عربي واحد ولا مفكر عربي واحد، ولا رجل دين عربي واحد. انها مفارقة تكشف ابرز اسباب الانحدار العربي الراهن.
نعم اسرائيل عنصرية، واكثر عنصرية من النظام الابيض في جنوب افريقيا نفسه. فهي تقيم المعازل في الضفة الغربية، وتخنق اربعة ملايين فلسطيني، وتحول قطاع غزة الي سجن كبير للجوعي والمرضي، وتبني حائطا يحول حياة ربع مليون فلسطيني الي جحيم، وتصادر الاراضي، وتنتقم من اشجار الزيتون رمز عروبة الارض بقلعها.
اسرائيل التي يتغني الغرب بحضاريتها وديمقراطيتها لا يوجد فيها وزير عربي واحد، ولا سفير من اصل عربي في اي عاصمة عالمية مهمة او من الدرجة الثالثة حتي، رغم ان العرب يمثلون اكثر من ربع سكانها، وتضم حكومتها افيغدور ليبرمان العنصري الحاقد الذي يفوق النازيين في عنصريته ونوازعه في التطهير العرقي والترانسفير والابادة الجماعية.