السعودية وبريطانيا: من يبتز الآخر؟

نجحت الأسرة الحاكمة السعودية في استخدام عضلاتها المالية بشكل كبير، وتوجيه ضربة قاتلة الي حكم القانون، والقضاء المستقل في بريطانيا، عندما اجبرت الحكومة البريطانية، ورئيسها توني بلير علي وجه التحديد، علي ايقاف التحقيقات في عمولات صفقة طائرات تورنيدو التي وصفت حين توقيعها، قبل عشرين عاما، بانها صفقة القرن بسبب ضخامة قيمتها (45 مليار جنيه استرليني) وكثرة عدد السماسرة المتورطين فيها.

التدخل السعودي بلغ ذروة شراسته عندما هددت الحكومة السعودية بالغاء صفقة طائرات اليوروفايتر الجديدة التي جري توقيعها قبل اشهر معدودة وبلغت قيمتها عشرين مليار دولار، ويمكن ان تصل الي سبعين مليارا في غضون اعوام محدودة، بل وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتردد انها امهلت حكومة بلير عشرة ايام لحسم امرها، في هذه المسألة، وإلا ستلغي كل شيء، وتعطي الصفقة، وصفقات اخري مستقبلية الي منافسي بريطانيا، اي فرنسا والولايات المتحدة.
هذا النزق الرسمي السعودي جاء بعد ان اقتربت التحقيقات من الحسابات السرية لاثنين من الوسطاء، احدهما رجل اعمال سوري، والآخر وزير لبناني في حكومة الحريري، وكادت ان تكشف حجم العمولات الضخمة التي ذهبت الي كبار الأمراء، وبلغت ارقاما خيالية، يقدرها البعض بثلاثة مليارات دولار علي الأقل.
فالرجلان كانا مجرد واجهة لأمراء تفاوض بعضهم علي الصفقة، وأقرها بحكم مكانته ونفوذه، ولدرجة طلب رفع سعر طائرة التورنيدو بنسبة 35% لزيادة نسبة العمولة.
انها عملية ابتزاز بكل المقاييس كانت الحقيقة ابرز ضحاياها جنباً الي جنب مع سمعة القضاء البريطاني، والقيم الديمقراطية الغربية، ومسألة الفصل بين السلطات التي تحتل قمتها، وتشكل اسس نجاح المجتمع الغربي وتقدمه.
الحكومة البريطانية ابتزت المملكة العربية السعودية، وأسرتها الحاكمة، عندما أوعزت للجنة مكافحة الفساد بفتح تحقيقات في صفقة اليمامة وعمولاتها، لإجبارها علي شراء اسلحة وطائرات بريطانية توفر وظائف لأكثر من خمسين الف بريطاني، عندما ادركت حجم العوائد المالية السعودية الضخمة من جراء ارتفاع اسعار النفط (بلغت 250 مليار دولار سنويا في المتوسط)، وأرادت ان تأخذ نصيبها منها.
فالبريطانيون الذين يتميزون علي نظرائهم الغربيين بالمكر والدهاء، يعرفون جيدا كيف يجمعون اوراق الضغط، ومتي يستخدمونها، وصفقة العمولات هذه كانت احداها، فهم يدركون، اي البريطانيون، ان الأمراء الكبار المستفيد الاكبر من العمولات، سيرضخون لأي مطالب مهما بلغت ضخامتها، مقابل عدم الكشف عن اسمائهم او عمولاتهم.
السعوديون ابتزوا الحكومة البريطانية ايضا، عندما ادركوا مدي ضعف رئيسها توني بلير، وحاجته الي المضي قدماً في صفقة الطائرات الجديدة، والحفاظ علي علاقات التحالف مع السعودية لإنقاذ مشروعه الفاشل والكارثي في العراق اولا، والاستناد اليها كنواة في التحالف السني الجديد الذي تعمل حاليا علي تأسيسه، للتصدي للبرنامج النووي الايراني، وتوفير غطاء عربي واسلامي لأي ضربة قادمة لتدميره اذا اقتضي الأمر.
ضحية هذين الابتزازين السعودي والبريطاني هما الشعبان السعودي والبريطاني اولا، والأمتان العربية والاسلامية ثانيا. وقيم العدالة والاخلاق ثالثا. وسمعة بريطانيا كقلعة للديمقراطية والشفافية والحريات والقضاء المستقل رابعاً.
الشعب السعودي الذي يعاني من البطالة ونقص الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، هو الخاسر الاكبر لأن امواله هي التي تسرق وتبدد، وتذهب لشراء اسلحة بمئات المليارات من الدولارات، ليس من اجل الحفاظ علي امنه الوطني، ونصرة القضايا العربية والاسلامية، وانما من أجل العمولات التي تستفيد منها نسبة محدودة من الامراء وحاشيتهم.
فهذه الاسلحة، قديمها وحديثها، لم تستخدم مطلقا في اي حرب، رغم ضخامة قيمتها، وعندما تعرض امن المملكة للخطر، بعد اجتياح الكويت، ظلت هذه الأسلحة في مخازنها، وتم اللجوء لنصف مليار جندي امريكي للقيام بالمهمة، وحتي الطائرات السعودية التي انطلقت لضرب بغـــداد فشلت معظمها في تحقيق اهدافها، وبعضها لم يعد، وسقط طياروها اسري لدي العراقيين.
توني بلير الحق من الأضرار ببلاده ما لم يلحقه عشرات رؤساء الوزراء السابقين مجتمعين. فقد ورطها في حرب دموية في العراق وافغانستان، أودت بحياة العشرات من جنودها، وشوهت سمعتها في اوساط مليار ونصف المليار مسلم، وعرضت ارواح مواطنيها للخطر عندما وصلت الهجمات الارهابية الي قلب مترو الانفاق في عاصمتها لندن. وها هو الآن يضرب قيمها الديمقراطية العريقة في الصميم بايعازه للمدعي العام بوقف التحقيقات في صفقة الطائرات والعمولات. وهو المدعي العام نفسه الذي قدم له فتوي قانونية مضللة لتغطية تورطه في حرب العراق دون قرار دولي من الامم المتحدة.
الحكومة البريطانية الحالية فقدت مصداقيتها كحكومة ديموقراطية، عندما قدمت المصالح التجارية علي حكم القانون، والقيم الاخلاقية، وهي لا تستطيع بعد اليوم ان تلقي علي العرب والمسلمين، والعالم الثالث بشكل عام، دروسا ومحاضرات في الديمقراطية وحقوق الانسان ومكافحة الفساد.
فقرارها بوقف التحقيقات في صفقة فساد تشريع للفساد، ومأسسة له، وجعله حقا قانونيا مشروعا، والتستر عليه بات من سخرية القدر مسألة حتمية لحماية الامن الوطني الامر الذي سيشجع الكثيرين في العالم الثالث علي وجه الخصوص، علي ممارسته في وضح النهار مسجلة بذلك سابقة ليس لها مثيل في تاريخها او تاريخ الديمقراطيات العريقة.
نشعر بالحزن والأسي، لأمرين اساسيين، الاول هو عدم قدرتنا علي الترويج للنموذج الغربي في العدالة والقضاء المستقل والفصل بين السلطات وانتقاد الأنظمة الديكتاتورية العربية التي تقمع الحريات وتحول القضاء الي مسخرة بتدخلاتها الاستفزازية. والأمر الثاني اننا كعرب اصبحنا رمزا للفساد والإفساد في العالم. بل بتنا نصدر هذا الفساد الي العوالم الاخري، بدلا من تقديم نموذج في العدالة والشفافية والاصلاح والمساواة والتوزيع العادل للثروة، وهي من صميم قيمنا واساس عقيدتنا الاسلامية.
وما يؤلمنا اكثر ان عملية الابتزاز للسعودية وحكومتها لن تتوقف، فقد يؤدي هذا النجاح والتهديدات التي سبقته الي تشجيع الحكومات البريطانية القادمة علي فتح ملف التحقيقات هذه مجددا، في الصفقات القديمة او الحالية، لإجبار الأسرة الحاكمة السعودية علي انفاق العشرات من المليارات لشراء اسلحة جديدة ومن بريطانيا بالذات. انه نجاح اخطر بكثير من الفشل علي اي حال.