استراتيجية التخبط الامريكي

تقترب ادارة الرئيس بوش تدريجيا من لحظة التسليم بالهزيمة الكاملة في العراق، ولكنها تحاول استنفاد كل ما في جعبتها من افكار ومخارج قبل رفع الراية البيضاء.

الرئيس جورج بوش بدا مرتبكا في مؤتمره الصحافي الذي عقده امس، ولم يستطع ان يقدم اي اجابة مقنعة للصحافيين الذين امطروه بالاسئلة المحرجة حول الوضع في العراق، ولكنه اعترف بان بلاده لا تربح ولا تخسر الامر الذي يتناقض كليا مع تصريحات ادلي بها قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الشهر الماضي واكد فيها ان ادارته تكسب هذه الحرب .
ويعود هذا الارتباك الي تدهور الاوضاع علي الارض، وتعاظم حجم الخسائر البشرية والمادية، وفشل كل محاولات الانقاذ للمشروع السياسي الامريكي، بما في ذلك مشروع المصالحة الوطنية الذي قاطعته القوي الرئيسية في العراق.
ومن المستبعد ان تؤدي الاستراتيجية الجديدة التي ينوي الرئيس بوش تبنيها في العراق الي تغيير مسيرة الاحداث في الاتجاه الايجابي لادارته، فارسال ثلاثين الف جندي لتأمين العاصمة بغداد، قد يأتي بنتائج عكسية، لان هذه الخطوة تتناقض مع مطالب حلفائه في الحكومة والتكتل الحاكم في الحصول علي المزيد من الصلاحيات الأمنية، وستعطي المقاومة صيدا ثمينا اضافيا يشكل حافزا اضافيا لها لتصعيد عملياتها الفدائية.
ومما يزيد من حراجة موقف الرئيس الامريكي وقوفه وحيدا في هذا المأزق الاستراتيجي الصعب، حيث انفض عنه جميع حلفائه من المحافظين الجدد، بعد ان ادركوا ان سفينته بدأت تغرق. والاكثر من ذلك انهم لم يكتفوا بالهروب، بل اصبحوا يوجهون الطعنات اليه، ويحملونه وحده مسؤولية الفشل لأنه لم يطبق السياسات الصحيحة بعد الاحتلال.
ريتشارد بيرل احد ابرز المحافظين الجدد والمحرضين علي غزو العراق، اعترف في حديث مثير ادلي به الي مجلة فانتي فير الشهيرة، ان الهزيمة باتت محققة في العراق، وانه لم يتوقع مطلقا ان تكون المقاومة علي هذه الدرجة من الشراسة، وقال ان الهزيمة الكاملة لم تقع بعد، ولكنها باتت حتمية .
ولعل الاعتراف الاخطر الذي ورد علي لسان بيرل رئيس مجلس وضع السياسات الدفاعية في البنتاغون سابقا، في المجلة نفسها، تمثل في قوله: انه لو عاد التاريخ الي الوراء، ورأي ما يراه الآن، فانه ما كان سيوصي بالحرب وغزو العراق، وانما ببدائل اخري من بينها كيفية منع صدام حسين من تزويد المنظمات (الارهابية) باسلحة الدمار الشامل .
الكلام نفسه كررته الغالبية العظمي من قيادات المحافظين الجدد مثل ديفيد فرام، كينيث ادلمان، فرانك غافين، اليوت كوهين، ورسم هؤلاء صورة قاتمة متشائمة لمستقبل العراق والمنطقة بأسرها، بما في ذلك حدوث حرب نووية بين السنة والشيعة في الخليج. فقد اجمعوا علي ان ايران ستمضي قدما في برامجها النووية الأمر الذي سيفتح المجال الي سباق نووي في المنطقة.
ان ما يبعث علي القلق هو اقدام الرئيس بوش علي حرب جديدة ضد ايران لتعويض هزيمته المحققة في العراق، فهو الآن يتصرف مثل النمر الجريح الذي يبدو اكثر خطورة في لحظاته الأخيرة علي قيد الحياة.
هناك عدة مؤشرات تجعل من هذا السيناريو ممكنا خلال العامين المقبلين، يمكن ايجازها في النقاط التالية.
اولا: اصرار الرئيس بوش علي دعوة مجلس الامن الدولي للانعقاد وتبني قرار بفرض عقوبات اقتصادية علي ايران بسبب تمسكها بقرار تخصيب اليورانيوم.
ثانيا: اعلان القيادة العسكرية الامريكية عن ارسال عدة اساطيل الي منطقة الخليج والبدء في مناورات عسكرية، وبين هذه الاساطيل غواصات نووية، وحاملات طائرات وسفن حربية من كل الاشكال والانواع.
ثالثا: تصريحات ادلي بها توني بلير رئيس وزراء بريطانيا وسفير بوش المتجول، وصف فيها ايران بانها تشكل خطرا استراتيجيا علي المصالح الغربية في المنطقة والعالم. ومطالبته بتشكيل تكتل من العرب المعتدلين في مواجهتها.
رابعا: زلة لسان ايهود اولمرت المقصودة التي اعترف فيها بامتلاك اسرائيل اسلحة نووية، وهو الاعتراف الذي قد يفسر علي انه تهيئة للرأي العام العالمي للاقدام علي استخدامها ضد ايران في المستقبل القريب، ولم يكن صدفة ان يقدم اولمرت كتابا عن كيفية تدمير مفاعل تموز العراقي كهدية الي الرئيس بوش.
خامسا: هذه الحركة المفاجئة لتحريك ملف التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وتحول اولمرت فجأة الي حمامة سلام يريد وساطة اردنية لاصلاح ذات البين بين فتح و حماس ، واستعداده المفاجيء للافراج عن 600 مليون دولار تحتجزها حكومته كأموال ضرائب عائدة للسلطة الفلسطينية، وكذلك وقف اعتداءاته ومجازره في غزة والضفة وعدم الرد علي صواريخ الجهاد الاسلامي التي ضربت مستوطنة سديروت اكثر من مرة في الاسبوعين الماضيين.
سادسا: رفض الحكومة الاسرائيلية التجاوب مع كل العروض السورية لاستئناف المفاوضات للتوصل الي تسوية سلمية، ورفض الرئيس بوش لتوصيات لجنة بيكر ـ هاملتون بفتح حوار مع سورية وايران لاشراكهما في تهدئة الاوضاع في العراق.
سابعا: ايقاف بلير للتحقيقات في رشاوي صفقة اليمامة، لان استمرارها في رأيه يشكل خطرا علي الامن القومي البريطاني ويعرض علاقات بريطانيا مع السعودية الحليف الأقوي في المنطقة للخطر. فمن غير المنطقي ان تنضم السعودية الي تكتل المعتدلين ضد ايران بينما تحقق هيئة بريطانية في صفقة فساد متورط فيها كبار امرائها.
ضرب ايران، وبعد هذا الفشل الكبير في العراق وافغانستان، ربما يكون نوعا من الجنون، ولكن متي كان الرئيس بوش عاقلا، يحسب الامور، بشكل دقيق ويستمع الي حلفائه الخلص سواء في اوروبا او في المنطقة العربية، فحتي بلير الذي خسر كل انجازاته العظيمة في بريطانيا بسبب ولائه لإدارته، وخاض معه كل حروبه، بات مقتنعا مثلما جاء في تقرير تشاتهام هاوس بانه غير قادر علي ممارسة اي نفوذ عليه، اي علي الرئيس بوش وسياساته في الشرق الاوسط.
استراتيجية الرئيس بوش الجديدة المتوقع الاعلان عنها في العام المقبل قد تتلخص في ارسال قوات لتهدئة بغداد ومنع عمليات القتل علي الهوية فيها، لان الاعلام كله يتركز في العاصمة، ويركز علي اخبارها، وان ضبط فرق الموت قد يفسر علي انه انتصار كبير يمكن استخدامه كذريعة لسحب القوات الامريكية هربا من الخسائر وربما استعدادا لحرب ضد ايران.
نتفق مع المحافظين الجدد، وللمرة الاولي، في ان امريكا انهزمت في العراق، وفي العالم الاسلامي بأسره، وهي هزيمة ستظل تعاني منها وآثارها لعقود مقبلة، ولكننا نختلف معهم في ان سبب هذه الهزيمة لم يكن الرئيس بوش وسياساته الفاشلة وانما المقاومة العراقية التي جعلت من هذه السياسات مكلفة جدا لواضعيها وللشعب الامريكي، من خلال عملياتها الفاعلة والمؤثرة المستمرة منذ اربع سنوات وفي تصاعد رغم حجم الهجمة الامريكية عليها، وتواطؤ نسبة كبيرة من العراقيين مع المحتلين.