سيذهب الي المشنقة مرفوع الرأس

لم يكن تصديق دائرة التمييز في المحكمة الجنائية العراقية العليا علي قرار الحكم باعدام الرئيس صدام حسين بسبب مسؤوليته في قضية الدجيل امرا مفاجئا، بل كان متوقعا، ولكن ما لم يتوقعه المحتلون والقوي العراقية المتعاملة معهم، ومشروعهم في تدمير العراق واذلال شعبه، هو ان يصدر هذا الحكم ويجري تنفيذه والبلد قد تحول الي مقبرة جماعية، وفوضي دموية، ينام علي اصوات التفجيرات ويصحو والجثث مجهولة الهوية تملأ شوارعه، وتطفو علي مياه انهاره. المسألة لم تعد مسألة البحث في مدي قانونية المحكمة وسلامة اجراءاتها، وما اذا كانت سياسية او قضائية، وانما هي اعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بشرعية الاحتلال، والمؤسسات التي خرجت من رحمه، والنهاية المأساوية التي وصل اليها العراق بفضل هذا الكابوس الجاثم علي صدر ابنائه منذ اليوم الاول لانتهاك القوي الاجنبية لحرمة اراضيه.

القوي التي جاءت مع الاحتلال لم تخطط فقط لاعدام رئيس، وانما لاعدام وطن، وتمزيق اوصاله، وتجهيل اجياله، وانهاء دوره كقوة اقليمية عظمي، وقد نجحوا في تحقيق جميع هذه الاهداف وما هو اكثر منها للأسف الشديد.
السيد موفق الربيعي مستشار الأمن القومي (اين هو هذا الأمن) الذي اعلن التصديق علي حكم الاعدام بنبرة فيها التشفي كان يجب عليه، وكل الذين وصلوا الي العراق علي ظهور الدبابات الامريكية، ان يخجل من نفسه، ومن انجازاته المعيبة في حق العراق والعراقيين، لانه يحتفل باعدام رئيس حقق الامن والاستقرار للعراق، وللغالبية الساحقة من ابنائه، وبني قاعدة علمية لا يوجد لها مثيل في المنطقة العربية بأسرها، وجعل من العراق منارة للكرامة الوطنية، وعزة النفس، والوقوف في وجه الغزاة الاجانب.
لو كان السيد الربيعي اعلن هذا الحكم، والتصديق عليه، وقد قدم والمجموعة الحاكمة معه، نموذجا في الديمقراطية والاستقرار والرخاء الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والامن الوطني والقومي، لكنا اول من صفق له، وشد علي يديه، ولكنه للأسف حول، والادارة الامريكية التي تدعمه، البلد الي مرتع للميليشيات البغيضة، والحرب الطائفية الدموية، وعصابات الخطف والسطو المسلح.
عراق امريكا وحلفائها بات الاكثر فسادا في العالم بأسره، بل وفي التاريخ الحديث، لان معظم حكامه الجدد من اللصوص وقطاع الطرق، الذين يتعاملون مع هذا الوطن وكأنه صالة ترانزيت يريد سرقة اكبر كمية ممكنة من ثروة ابنائه الفقراء المعدمين، وتحويل الاموال الي اسرهم وابنائهم الذين يعيشون كأمراء حرب في اوروبا وامريكا ودول الجوار العربي في مناف آمنة رغدة.
هؤلاء الذين اذلوا العراق، ونهبوه، وقتلوا اكثر من 665 الفا من ابنائه في اقل من ثلاثة اعوام من حكمهم هم الذين يستحقون المحاكمة، ومواجهة اقصي العقوبات، لانهم يتحملون مسؤولية كل ما وصل اليه العراق من خراب ودمار ونزيف دموي مستمر، يودي بأرواح المئات يوميا.
لم يكن السيد كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة بعثيا، ولا قوميا عربيا، وليس معروفا عنه تعاطفه مع تنظيم القاعدة عندما قال، بالصوت والصورة، ان العراق في زمن الرئيس صدام حسين افضل مما هو عليه الآن عشرات المرات، فعلي الاقل كان التلاميذ يذهبون الي مدارسهم ويعودون منها آمنين. وكانت بغداد تسهر حتي الرابعة صباحا حتي في زمن الحصار وقبلها زمن الحرب مع ايران.
صدام حسين قد يعدم غدا، او بعد غد، او بعد اسابيع، وهو الذي طالب منذ اليوم الاول للمحاكمة بإعدامه رميا بالرصاص باعتباره قائدا عاما للقوات المسلحة العراقية، ولكنه سيذهب الي منصة المشنقة مرفوع الرأس، لانه بني عراقا قويا موحدا غير طائفي، تحسب له القوي الاقليمية، والقوي العظمي الف حساب. بينما سيقف سجانوه مطأطئي الرأس خجلا وعارا، لانهم لا يستطيعون ان يخفوا جرائمهم في حق العراق وأهله.
ارتكب مجازر.. نعم.. انتهك حقوق الانسان.. نعم.. قصف المتمردين علي حكمه بكل انواع الاسلحة.. الف نعم.. ولكن ماذا يفعل الديمقراطيون العراقيون حاليا، وكيف يتعاملون مع الثوار الرافضين لاحتلالهم، هل يقصفونهم بالورود والرياحين؟
يتحدثون عن حلبجة، وهي وصمة عار في جبين كل عربي، لا يستطيع شريف واحد ان ينكر مدي مأساويتها، ولكن ماذا عن مجازر الفلوجة والقائم وسامراء والرمادي، ماذا عن الفوسفور الابيض الذي استخدمته القوات الامريكية ضد الابرياء في الانبار، وماذا عن اغتصاب المحصنات في بغداد علي ايدي جنود الغزاة، والتعذيب في سجن ابو غريب، وقتل الجرحي في مسجد الفلوجة وتدمير المنازل فوق رؤوس اصحابها؟
نطالب السادة الربيعي والطالباني والجعفري، والمالكي، والباجه جي، والحكيم، وكل الذين مارسوا كل انواع الخديعة للشعب العراقي، والأمة بأسرها، بالاعتذار، ومواجهة محاكم عراقية وطنية عادلة بتهم المساهمة وتشريع قتل 665 الف عراقي حتي الآن، وجرح خمسة اضعاف هذا العدد، وتشـــريد ثلاثة ملايـــين، ومسؤولية عدم عودة ثلاثـــة ملايين آخرين من المنافي الي وطنهم الذي طالما تغنوا بالعودة اليه.
نطالب بمحاكمتهم بتهم اذكاء نار الحرب الاهلية الطائفية، وممارسة ابشع انواع التطهير العرقي، ونهب المال العام والتعاون مع الاجنبي ضد بلدهم وأهلهم، ولا نعتقد ان عقوبتهم ستكون اقل من الاعدام شنقا. صدام حسين سيذهب الي المشنقة مرفوع الهامة، اما هؤلاء فسيذهبون اليها مطأطئي الرؤوس خجلا وعارا مما فعلت اياديهم الملطخة بدماء مئات الآلاف من العراقيين الابرياء.