انتصار اسرائيلي باهظ الثمن

يكتشف الاسرائيليون، وبعد أربعين عاماً علي حرب الخامس من حزيران (يونيو)، ان احتفالاتهم بالنصر الكبير الذي حققوه بهزيمة جيوش ثلاث دول عربية كانت سابقة لأوانها، وخطأ استراتيجياً بدأوا يدفعون ثمنه من امنهم واستقرارهم ومستقبل كيانهم.

وربما لا نبالغ اذا قلنا ان هذا الانتصار بات لعنة تطارد الدولة العبرية والمشروع الصهيوني الذي اقامها علي الارض الفلسطينية، بل واليهود في مختلف انحاء العالم. فالتعاطف الدولي الذي حظي به هؤلاء نتيجة للمحرقة او الهولوكوست بدأ يتبخر، بعد ان تحول ضحاياها الي محتلين ينسفون البيوت فوق رؤوس اهلها، ويرتكبون المجزرة تلو الاخري، ويقلعون الاشجار ويدمرون المزروعات في عقاب جماعي غير مسبوق، ويقيمون الاسوار العنصرية، وينصبون اكثر من 500 حاجز في الضفة وحدها لإذلال ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع.
فاذا كانت حرب عام 1948 التي انتهت بهزيمة جيوش عربية حققت ابرز اهداف المشروع الصهيوني في فصل العرب عن اليهود، واقامة دولة يهودية علي اساس عنصري ديني من خلال تدمير اكثر من 550 قرية وازالتها من الخريطة، وتحويل ما يقرب من المليون من سكانها الي لاجئين في مخيمات الشتات، فان حرب حزيران أعادت خلط الجانبين مجدداً، وجعلت الاسرائيليين في تماس يومي مباشر مع ضحاياهم، وهو خطأ استراتيجي ربما يشكل بداية العد التنازلي الفعلي لزوال الدولة اليهودية، فهي لا تستطيع ان تكون يهودية في ظل احتلالها لأكثر من ثلاثة ملايين عربي في الضفة والقطاع علاوة علي مليون في داخل ما يسمي بالخط الاخضر، ولا تستطيع ان تبقي ديمقراطية في ظل ممارساتها الحالية، ورفضها احترام حقوق هؤلاء الانسانية والسياسية كمواطنين.
هزيمة العرب في حرب حزيران (يونيو) كانت بمثابة جرس الايقاظ بالنسبة الي الفلسطينيين بعدم الاعتماد علي الجيوش العربية الرسمية وحدها لتحرير ارضهم، وضرورة الانطلاق من مخيماتهم في حرب تحرير شعبية اسوة بالشعوب الاخري، وهكذا شاهدنا حركات المقاومة الفلسطينية تنطلق من تحت رماد الهزيمة في موازاة حرب استنزاف علي الجبهة المصرية.
صحيح ان حرب حزيران (يونيو) استمرت ستة ايام انتهت بهزيمة للمشروع القومي العربي، ولكن الصحيح ايضاً ان هذه الحرب ما زالت مستمرة حتي الآن علي شكل حلقات متعددة، ابتداء من حرب العاشر من رمضان، ومروراً بمعركة بيروت صيف عام 1982، وتحرير الجنوب اللبناني في عام الفين، واخيراً حرب لبنان في الصيف الماضي التي الحقت اول هزيمة حقيقية بالدولة العبرية، وسجلت سابقة اطلاق اربعة آلاف صاروخ علي مستوطناتها وبلداتها في الجليل.
قبل حرب حزيران (يونيو) عاشت الدولة العبرية عشرين عاماً من الاستقرار والازدهار نجحت خلالها في تثبيت احتلالها، وتدعيم بناها الاقتصادية، واقامة دولة حديثة بجيش قوي. ولم يتعرض هذا الاستقرار لأي تهديد حقيقي الامر الذي شجع مئات الآلاف من اليهود للهجرة الي فلسطين، ولكن الصورة تغيرت تماماً بعد انتصار حزيران (يونيو) وظهور المقاومة والكيانية الفلسطينية معها، وانتقال حرب التحرير الشعبية الي الداخل الفلسطيني من خلال انفجار انتفاضتين في اقل من عشرة اعوام، الاولي سلمية والثانية عسكرية كان ابرز عناوينها العمليات الاستشهادية، وهندسة الانفاق، وحرب الصواريخ.
الحروب عادة ما تقاس بنتائجها، وحرب حزيران (يونيو) لم تجلب الا الاحتلال والبؤس للفلسطينيين، ولكنها جلبت عدم الأمان ايضاً الي الاسرائيليين، وهذا ما يفسر ارتكاز معظم مبادرات السلام، عربية كانت او دولية، علي مسائل الأمن والتهدئة، ووقف العمليات الاستشهادية واطلاق الصواريخ.
الدولة العبرية ستحتفل قريباً بمرور ستين عاماً علي قيامها، ومع ذلك، ورغم كل انتصاراتها وهزائم النظام الرسمي العربي في المقابل امام جيوشها، ما زالت تبحث عن الاعتراف، وتستجدي الشرعية من ضحاياها الفلسطينيين، وهذا ما يفسر اصرارها علي ضرورة اعتراف حركة حماس بها، بعد ان اكتشفت ان اعتراف منظمة التحرير بها الذي انتزعته من خلال اتفاقات اوسلو لم يحقق لها هذه الشرعية. ولن يكون غريباً اذا ما طلبت الحكومة الاسرائيلية اعترافاً مكتوباً وموثقاً من كل فلسطيني في العالم بوجودها وشرعيتها حتي تطمئن، ولن تطمئن، لأنها دولة احتلال، وكل شيء يقوم علي اساس الاحتلال وسرقة ارض الغير وممتلكاته هو باطل وغير شرعي.
الدول القوية تستطيع ان تخوض الحروب وتنتصر فيها، ولكنها لا تستطيع ان تصنع السلام. فها هي اسرائيل تنتصر في حروبها ضد الجيران، ولكنها فشلت في صنع السلام، والشيء نفسه يقال عن الولايات المتحدة وحربيها في العراق وافغانستان، والسبب هو وجود شعوب ترفض الاستسلام وتصر علي المقاومة.
هناك من يجادل بخطأ هذا التوجه، ويطالب العرب بأن يقبلوا الهزيمة ويتعايشو معها، ضاربين مثلاً بالتجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، وينسي هؤلاء ان لكل أمة خصوصيتها، وهويتها، وتركيبتها النفسية، وعقيدتها الدينية، وما ينطبق علي اليابانيين والالمان، لا يصلح بالضرورة للعرب، كما ان مياها كثيرة مرت تحت جسر التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية، قبل ستين عاماً، وحدثت تغييرات استراتيجية كثيرة ومتعددة.
كنا نتمني لو ان الوضع الرسمي العربي اقل سوءاً مما هو عليه الآن، فالنظام الرسمي العربي الذي انهزم عام 1967 خرج باللاءات الثلاث في قمة الخرطوم، اما النظام العربي الحالي المتخم بعوائد النفط والرافع لراية الاعتدال والصداقة المطلقة لأمريكا، فيستجدي السلام مع الدولة العبرية، ويعرض عليها التطبيع الكامل مقابل انسحابها من الارض العربية، وهي ترفض وتتدلل. لقد احتاج هذا النظام اربع سنوات استشهد خلالها مليون عراقي، وتمزق موطنهم وغرق في حرب اهلية طائفية، ليعترف بأن احتلال العراق غير شرعي .
كنا نتمني ايضاً لو ان الوضع الفلسطيني نفسه افضل، ونري وحدة وطنية حقيقية ترتكز علي مبدأ المقاومة، لا وحدة وطنية شكلية هزيلة تفرخ الاقتتال الداخلي والنزاع علي سلطة وهمية، ومناصب هزلية وهزيلة تحت احتلال بشع.
نعترف بأن المشروع القومي العربي الذي بلغ ذروته عام 1967 تعرض لهزيمة قاسية مذلة، ولكن هذا لا يعني ان فكرة الوحدة والتضامن واعتماد المواجهة كاسلوب انجع لمواجهة المشروع الصهيوني هي فكرة عدمية يجب استبدالها بمشاريع استسلامية قطرية. فالعيب لم يكن ابداً في الفكرة وانما في التطبيق، وان كان لا بد من حدوث تزاوج حقيقي بين القومية والعقيدة الاسلامية، فارتكاز الاولي في مراحل مراهقتها علي الفكر الماركسي وليس الاسلامي كان من ابرز اسباب اخفاقاتها.
نقول هذا بمناسبة هذه الردة التي نراها تطل بقوة حالياً في اكثر من قطر عربي مثل الوباء، وتتمثل في شعارات تعتمد التفتيت والانهزامية مثل الاردن اولاً و مصر اولاً و العراق اولاً … كمهرب من الالتزامات الدينية والقومية والانسانية، وكمهرب من مسؤولية اخلاقية ووطنية.
هذه الشعارات الانكفائية، التي تطلق في زمن العولمة والتكتلات، وتجد تبنيا ملغوماً من النظام الرسمي العربي، حتي يعفي من مسؤولياته الوطنية، هي التي تدفع بالمنطقة الي الديكتاتورية والانهيار وتقدم الذخيرة الأنسب للتطرف والفوضي الدموية.
ختاماً نقول بأننا نري الكثير من الحكمة في المثل الشعبي الذي يقول بأن الخير قد يأتي من باطن الشر ، ولعل هذه الصحوة التي تجتاح العالمين العربي والاسلامي، وتتمثل في روح المقاومة، في العراق وفلسطين وافغانستان، هي ضوء الأمل الوحيد في وسط هذا الظلام الرسمي الدامس.