الغزل السوري الاسرائيلي

تكثر هذه الايام الاحاديث والتسريبات عن اتصالات سرية اسرائيلية ـ سورية تتم بطرق غير مباشرة، اي عبر وسطاء، من اجل التوصل الي تسوية سلمية. ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعلن انه بعث برسائل الي الرئيس بشار الاسد يعرب فيها عن استعداده لاعادة هضبة الجولان السورية المحتلة بالكامل مقابل ابتعاد سورية عن ايران، وفك ارتباطها بحزب الله وحركة حماس ، والانضمام الي حلف المعتدلين العرب.

القادة الاسرائيليون ليسوا معروفين بكرمهم تجاه نظرائهم العرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتنازل عن الارض، وهي بالمناسبة كلها عربية بغض النظر عن تاريخ احتلالها، ولذلك فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن الدوافع التي تكمن خلف هذه الاشارات الاسرائيلية، ومدي جديتها، والآليات التي ستترتب عليها في حال التجاوب معها.
اولمرت قال انه لم يتعلق بعد اي إجابات من القيادة السورية علي رسائله والعروض السخية التي تتضمنها، بينما يلتزم الجانب السوري الصمت، و يتلعثم معلقوه عندما يتحدثون عن هذا الأمر بدعوة من الفضائيات العربية، ويغرقون في التنظير والتكرار، واعطاء اجابات مبهمة، تفسر الماء بالماء في نهاية المطاف.
القيادة السورية كانت هي التي تبادر بجس النبض الاسرائيلي، وترسل الوسطاء، وحملة الرسائل من العرب والاجانب، وكان الصد يأتي من الطرف الآخر، لاسباب امريكية، ولرغبة في عزل سورية، بتشجيع من اطراف عربية، اعماها النصر الامريكي الزائف في العراق، بإطاحة النظام البعثي الآخر في بغداد.
للسلام شروطه ومواصفاته، وهو غالبا ما يأتي بعد حروب، ينتصر فيها طرف علي الآخر، او تتساوي الكفتان، وهي مرات نادرة، ولا نعتقد ان الظرف الحالي في المنطقة يوفر المناخات الملائمة لاستئناف مفاوضات سلام، بل انه يرجح احتمالات الحرب وفي فترة زمنية اقرب مما يتوقعه الكثيرون.
معاهدة كامب ديفيد بين مصر والدولة العبرية جاءت بعد حرب تشرين الاول (اكتوبر)، واتفاقات اوسلو جري التوصل اليها بعد انتصار الرئيس جورج بوش الاب في حرب تحرير الكويت ، وعزل منظمة التحرير الفلسطينية، وتجفيف منابع الدعم المالي الخليجي لها، وتجميد اعتراف اكبر حليفين بها وهما مصر وسورية.
صحيح ان الغزل الاسرائيلي الحالي لسورية يأتي بعد حرب الصيف الماضي التي تعرض فيها الجيش الاسرائيلي لهزيمة مهينة علي ايدي قوات المقاومة الاسلامية اللبنانية، ولكنها حرب محدودة، ولم تشارك فيها اي قوات سورية، مضافا الي ذلك تمخضت عن تواجد قوات دولية في الجنوب اللبناني فرضت واقعا جديدا يصب في مرحلة التهدئة.
ہہہ
القيادات القوية هي غالبا التي تصنع السلام، ولا نعتقد ان ايهود اولمرت، الذي لا تزيد شعبيته عن خمسة في المئة في اوساط الاسرائيليين في افضل الاحوال، يملك الرصيد الذي يؤهله لتقديم تنازلات في حجم الانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية المحتلة، فهو ليس مناحيم بيغن، ولا هو اسحق رابين او آرييل شارون ولا حتي ايهود باراك.
الثمن الذي ستقدمه القيادة السورية في مقابل استعادة هضبة الجولان اذا جري التوصل الي اتفاق باعلان مبادئ يحكم مسيرة المفاوضات لاحقا، باهظ بكل المقاييس، وسيجرد النظام السوري من اهم اوراقه الاستراتيجية، وربما يهدد شرعية بقائه في السلطة.
الاسرائيليون يريدون ان تتخلي سورية عن ايران، وتفك تحالفها مع حزب الله، وتوقف دعمها لحركات المقاومة الفلسطينية مثل حماس و الجهاد ، ولكن ماذا لو انقلبت ايران علي سورية بعد ذلك، واستضافت او دعمت قوات متطرفة تريد الاطاحة بنظامها انطلاقا من العراق، وربما من لبنان ايضا، بل ماذا لو جري تحريض جماعات داخل سورية نفسها لرفع السلاح ضد النظام، وما اكثر هذه الجماعات التي تتربص بالنظام السوري، وترفع شعارات اسلامية لإخفاء اهدافها في اطاحته؟
ہہہ
المنطقة تعيش حالة من الضبابية وعدم الحسم. وجميع الاطراف يعيش حالة من الأزمة وعدم الاستقرار، ولذلك هناك مؤشرات ان الحرب قادمة، وحتي تحقق هذه الحرب اهدافها لا بد من اتباع خطة لتفكيك التحالف في الخندق المضاد، لضمان الفوز فيها، او تقليص الخسائر في حال حدوث رد فعل انتقامي.
بمعني آخر، الحرب المقبلة في حال حدوثها، تستهدف ايران، لتدمير طموحاتها النووية، وتغيير نظامها الحالي علي غرار ما حدث في العراق وافغانستان، وحتي تنجح وتكتسب بعض الشرعية الاقليمية، لا بد ان تكون بين العرب والفرس. بين السنة والشيعة. ووجود سورية الي جانب ايران، وليس في خندق دول المعتدلين، الذي ستكون اسرائيل عضوا فخريا او شرفيا او اصيلا فيه، سيفسد هذه المواصفات الضرورية، ولهذا لا بد من اخراجها بكل الطرق والوسائل من خلال القاء جزرة الجولان هذه.
اسرائيل تعيش هذه الايام اضعف مراحل وجودها، فهي ما زالت تعيش صدمة الهزيمة في لبنان، وتشعر بانحسار الدعم الدولي لها، وتبلور قناعة لدي حلفائها، في الغرب بانها باتت تشكل عبئا علي امنهم، ومصدر تهديد لمواطنيهم، وأحد الاسباب الرئيسية لاتساع دائرة الارهاب ووصول جماعاته الي اراضيهم ومدنهم واسواقهم. والأهم من ذلك انها، اي اسرائيل، بلا زعامة تاريخية، احزابها متشرذمة وجبهتها الداخلية منهارة نفسيا، وكان لافتا ان ابراهام بورغ رئيس الكنيست والوكالة اليهودية الاسبق، اشار علي مواطنيه بضرورة البحث عن جنسية اخري لان الحلم الصهيوني بدأ في الانهيار في فلسطين في احدث كتاب اصدره اخيرا.
هذا الضعف ربما يكون سببا اساسيا للدخول في حرب، وليس الانخراط في عملية سلام، وقد يكون الحديث عن المفاوضات هو خدعة لاخفاء هذا الهدف، فالاستعدادات العسكرية الاسرائيلية علي الحدود السورية واللبنانية في تصاعد. والشيء نفسه يقال عن نظيرتها الامريكية في الخليج، فقد انضمت غواصة نووية الي ثلاث حاملات طائرات، وعشر سفن حربية اخري، والبقية تأتي، وليس من الصدفة ان يكون هذا هو العدد نفسه من السفن وحاملات الطائرات الذي تواجد في المنطقة قبيل غزو العراق واحتلاله قبل اربع سنوات.
ہہہ
اسرائيل ربما تخرج الخاسر الأكبر في حالة الحرب، لان الانتصار في الحروب في المنطقة لا يعني فرض سلام المنتصرين مثلما جري في الحرب العالمية الثانية علي المانيا واليابان، فها هو الانتصار الاسرائيلي في حرب الايام الستة يتحول الي وبال علي اصحابه بعد اربعين عاما من تحقيقه، وها هو الانتصار الامريكي في العراق يكلفها اكثر من 500 مليار دولار واربعة آلاف قتيل و25 ألف جريح، وكراهية متزايدة في العالم الاسلامي، وتضاعف قوة تنظيم القاعدة اكثر من عشر مرات.
القوات الاسرائيلية قد تصل الي ابواب دمشق مثلما وصلت قبل ذلك الي قلب بيروت، ثم ماذا بعد ذلك؟ فاذا كانت هذه القوات عجزت عن السيطرة علي قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ومحاصر من جميع الجهات، فكيف ستستطيع السيطرة علي دمشق؟ واذا كان حزب الله اطلق اربعة آلاف صاروخ علي حيفا وعكا وطبريا، فكم صاروخ ستطلق سورية وفي ترسانتها اضعاف اضعاف ما في ترسانة حزب الله ؟
الصيف هو دائما الفصل المفضل لمعظم حروب المنطقـــة، والانـــقلابات العسكرية فيها، ولا نعتقد ان الصيف المقبل سيكون استثناء. ونصيحـتنا للقيادة السورية ان تتريث وتفكر مليا قــبل ان تتجاوب مع الغزل الاسرائيلي وتفرط بأوراقها الاستراتيجية، وهي التي تميزت عن غيرها بجمعها، واتقان كيفية توظيفها، فقد جربت التفاوض مع الاسرائيليين في ميريلاند، وخرجت منها سريعا بأقل قدر من الاضرار، ولعل درس الفلسطينيين في اوسلو وما انتهوا اليه من خيبات يقدم ارضية لمزيد من التأمل والتفكير.