داعية سلام ام مجرم حرب؟

اختيار توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق مبعوثا للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الاوسط يؤكد مرة اخري اصرار الدول الغربية، والولايات المتحدة علي وجه الخصوص، علي استفزاز مشاعر العرب والمسلمين، والاستمرار في السياسات الخاطئة التي ادت الي حالة الفوضي الدموية الراهنة التي تعم منطقة الشرق الاوسط.

فبلير الذي أراد الرئيس جورج بوش مكافأته لانقياده الاعمي خلف ادارته فاقد المصداقية تماما، ويعتبر اكثر شخص مكروه في نظر العرب والمسلمين بعد الرئيس بوش نفسه، وارتبط اسمه بالحروب والكذب والخداع والانحياز الي الاسرائيليين وعدوانهم ومجازرهم ضد ابناء الشعب الفلسطيني.
الشعوب العربية والاسلامية لا يمكن ان تنسي كيف كان بلير يروج للحرب علي العراق، ويلفق الاكاذيب امام البرلمان البريطاني لتعبئة الرأي العام لمساندة قراره بدعمـــها وارسال قوات بريطــــانية للمشاركة فيها، ومن ابرزها قوله ان الرئيس العراقي صدام حسين يستطيع ان يجهز ترسانة اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته في اقل من خمس واربعين دقيقة.
شخص كذب علي شعبه وضلله، وكان الاكثر حماسة بين اقرانه لخوض حرب ظالمة غير قانونية وغير شرعية، لا يمكن ان يصلح لان يكون مبعوث سلام في المنطقة نفسها التي ابتليت باكاذيبه ونتائجها المدمرة في العراق وافغانستان وفلسطين.
هذا الرجل يجب ان لا يكافأ، بل يجب ان يقدم الي المحكمة كمجرم حرب، لانه يتحمل مسؤولية مقتل اكثر من مئتي جندي بريطاني واكثر من مليون عراقي، جنبا الي جنب مع الرئيس جورج بوش وكل عصابة المحافظين الجدد ابتداء من ديك تشيني ومرورا بدونالد رامسفيلد، وانتهاء ببول وولفوفتز، ومثلما خرج الاخير من البنك الدولي مطرودا لفساده الاخلاقي، فان بلير يجب ان لا يتولي اي وظيفة عامة، او يكرم في اي منصب لان المجرم يحوم دائما في مكان جريمته.
ربما يجادل البعض بان بلير يملك خبرة طويلة في فض النزاعات، اكتسبها اثناء تعامله مع القضية الايرلندية الشمالية، وتكللت بتحقيق السلام ووقف نهائي للحرب، وكان دائما من اشد المتحمسين لايجاد حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتعهد اكثر من مرة امام مؤتمرات حزب العمال السنوية بالعمل من اجل اقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، بل وبرر مشاركته الحماسية في حرب العراق وعلاقته الخاصة مع الرئيس بوش للتأثير علي الاخير من اجل اقامة هذه الدولة.
ايرلندا الشمالية ليست مثل قضية فلسطين، ودور بلير في الاولي مختلف كليا عن دوره في الثانية، فعندما قرر ان يطرق باب السلام في بلفاست كان رئيسا للوزراء، وكان الشعب البريطاني كله يدفع في هذا الاتجاه، بعد ان وصلت التفجيرات الي عصب المال الرئيسي في قلب لندن. اما دوره الجديد في الشرق الاوسط فلن يزيد عن دور ساعي البريد ينقل الرسائل والمواقف ويرتب اللقــاءات والمؤتمرات دون اي صلاحيات حقيقية.
بلير اقام في السلطة عشر سنوات ولم يقدم شيئا مفيدا للعرب والمسلمين خاصة علي صعيد القضية الفلسطينية، والاهم من ذلك انه عين اللورد ليفي مبعوثا له في المنطقة العربية، وهو يهودي بريطاني معروف بعلاقاته القوية مع الدولة العبرية، والغي في عهده اي دور لوزارة الخارجية البريطانية في الشرق الاوسط، تحت ذريعة ان معظم المسؤولين والخبراء فيها من المستعربين.
اثناء المجزرة الاسرائيلية في جنين كنت عضوا في وفد فلسطيني من اربعة اشخاص، زار مقر مجلس الوزراء (10 دواننغ ستريت) للقاء بلير كممثل عن الجالية لحثه علي التدخل واستخدام نفوذه لوقف هذه المجزرة. واذكر انني قلت له، بعد ان تجنب اي ادانة لاسرائيل وجرائمها، سيد بلير، هل انت مثلنا بشر، تحس باحاسيسنا، وتجري دماء في شرايينك مثل دمائنا؟ ألا تري الدبابات الاسرائيلية وهي تدك الابرياء وتهدم البيوت فوق رؤوس اهلها، الا تعلم انكم انتم البريطانيون سبب محنتنا، فإما ان تتدخل لوقف هذا العدوان واما ان تسلحوا هؤلاء الابرياء لكي يدافعوا عن انفسهم . بلير اجابني ببروده الانكليزي المعتاد بابتسامة صفراء وقال: لا استطيع ان افعل شيئا، امريكا هي الوحيدة القادرة علي الفعل، وانا ذاهب الي واشنطن بعد اسبوع وسأستخدم نفوذي لدي الرئيس بوش من اجل حل القضية الفلسطينية.
بلير ذهب الي الرئيس بوش فعلا ولم يفعل شيئا كعادته، للفلسطينيين، وانما للعراقيين، حيث ارسل اليهم المزيد من القنابل والصواريخ وفرق الموت، والفلتان الامني، والصراع الطائفي المقيت.
نفهم ان يترشح بلير لهذا المنصب لو كان داعية سلام مثل الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر، ولكنه لم يترك حربا ضد العرب والمسلمين الا وأيدها، ورفض كل ضغوط حزبه وصحافة بريطانيا للتدخل لوقف العدوان الاسرائيلي علي لبنان صيف العام الماضي، واستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي بوقف اطلاق النار. بل وكان من اشد المتحمسين لفرض حصار مالي وتجويعي علي الشعب الفلسطيني عقابا له علي انتخاب مرشحي حركة حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة التي اشاد الجميع بحريتها ونزاهتها.
ترحيب الاسرائيليين الحار بتعيين بلير في منصبه الجديد، واختيار القدس المحتلة مقرا له، وصمت معظم العواصم العربية، تلخص جميعها معني هذه الخطوة والنتائج المترتبة عليها. فالرجل بدأ مهمة تخريب المنطقة ونشر الدمار والفوضي فيها عندما كان في سدة الحكم، ويريد اكمالها حتي بعد مغادرتها، وهنا تكمن الكارثة.
اللجنة الرباعية التي سيمثلها بلير او سيكون مبعوثا لها، لم تفعل شيئا مفيدا للعرب والمسلمين علي مدي الســــنوات الاربع الماضـــية، لانها لم تشكل من اجل ان تنجح، وانما لذر الرماد في العيون، والايحاء للعرب والمسلمين بان الادارة الامريكية عازمة علي حل المشكلة الفلسطينية عندما كانت تلقي حممها فوق العراق وشعبه في الحرب الاخـــــيرة. ولذلك انتهي مفعولها، اي اللجنة، بعد ان تحقق الاحتلال وأزيح النظام فـــي بغداد بالقوة.
الشعوب العربية والاسلامية يجب ان ترفع صوتها معارضة لبلير الذي يريد بوش تحويله من مجرم حرب الي داعية سلام، معتقدا ان هذه الشعوب غبية وقصيرة الذاكرة ويمكن ان تنسي بسهولة.
الاستقبال الوحيد اللائق ببلير هو قذفه بالبيض الفاسد والبندورة في اول زيارة له الي فلسطين المحتلة، او اي عاصمة عربية اخري.