تفجيرات لندن: قراءة مختلفة

اعلان حالة الطوارئ القصوي، وتشديد الاجراءات الامنية في المطارات البريطانية، وارتباك حركة المواصلات والتنقل، كلها تؤكد ان الارهابيين المفترضين الذين يقفون خلف عمليات التفجير الاخيرة في لندن قد حققوا اهدافهم دون ان يقتلوا شخصا واحدا، او يطلقوا رصاصة واحدة.
علامات استفهام عديدة ما زالت تطرح نفسها حول موجة التفجيرات هذه، اولاها عدم انفجار السيارتين الاوليين اللتين اكتشفتا في وسط لندن، والسيارة الثالثة التي اصطدمت في مدخل مطار مدينة غلاسكو الاسكتلندية، رغم البيانات الاولية عن وجود اسطوانات غاز ومسامير فيها.
فاللافت ان السيارة الثالثة التي اكلتها النيران بالكامل لم تنفجر مطلقا، كما ان الحزام الناسف الذي قيل ان سائقها كان يتزنر به، وجري اكتشافه بعد وصوله الي المستشفي مصابا بحروق خطيرة، لم ينفجر ايضا، فكيف تكون سيارة مفخخة ولم تنفجر رغم كل النيران التي اشتعلت فيها وحولتها الي هيكل عظمي، وكيف يكون حزاما ناسفا مجهزا بمتفجرات ولم ينفجر ايضا؟ هناك امور كثيرة غامضة، والمعلومات التي ادلي بها المتحدثون باسم الشرطة البريطانية شحيحة للغاية، الامر الذي فتح الباب علي مصراعيه امام من يقدمون انفسهم علي انهم خبراء في شؤون الارهاب، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، لتقديم نظريات وافتراضات تكشف عن جهل فاضح، وتكرار ممل قيلت في مناسبات سابقة، تعليقا علي عمليات مختلفة كليا.
عدة ملاحظات يمكن التوقف عندها لاستقراء ما بين سطور هذه السيارات المفخخةو، ما احترق منها وما لم ينفجر، نوجزها في النقاط التالية:
اولا: صلة تنظيم القاعدة المباشرة مع منفذي هذه الهجمات تبدو ضعيفة. إذ أن التنفيذ عكس فقرا كبيرا في الأداء والتنفيذ والاعداد.
لان عمليات تنظيم القاعدة السابقة سواء في بريطانيا (السابع من تموز/يوليو عام 2005) او في اسبانيا (تفجيرات مدريد في 11 آذار (مارس) 2005) وقبلهما في بالي (اندونيسيا) واسطنبول (تركيا) كانت عالية الدقة في الاعداد والتنفيذ، واسفرت عن خسائر بشرية ضخمة.
ثانيا: المرجح ان يكون من اقدموا علي تفخيخ هذه السيارات من المواطنين البريطانيين الشبان، الذين لم يتلقوا اي تدريب في الخارج، واكتسبوا خبرتهم المحدودة عبر الانترنت.
ثالثا: يستبعد وجود اي عناصر خارجية جاءت الي بريطانيا، واشرفت علي الخلية، او الخلايا التي تقف خلف هذه السيارات، ومن تنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، لانه لو كان الحال كذلك لاختلف الوضع كليا، وجاءت النتائج كارثية. فخبراء القاعدة في العراق وافغانستان يعدون ويفجرون السيارات المفخخة يوميا، ونادرا ما تفشل عملياتهم، كأن لا تنفجر السيارة في الهدف الذي ارسلت من اجله.
رابعا: جميع السيارات الثلاث لم يتم اكتشافها من قبل البوليس او اجهزة الاستخبارات، وانما بمحض الصدفة، وهذا يؤكد ان عمليات الاعتقال المكثفة التي استهدفت الجالية الاسلامية في بريطانيا علي مدي السنوات الست الماضية، اي منذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وتضاعفت بعد تفجيرات لندن، لم تحقق اغراضها في منع العمليات الارهابية.
خامسا: اصابع الاتهام توجهت منذ اللحظة الاولي الي ابناء الجالية الاسلامية باعتبارهم المسؤولين عن هذه العمليات رغم ان اثنين من المعتقلين الخمسة حتي الآن هما من الآسيويين حسب بيانات البوليس، الامر الذي سيؤدي الي مصاعب ومضايقات جديدة لابناء الجالية الاسلامية في بريطانيا.

ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق ان الجهة التي تقف خلف هذه السيارات المفخخة ارادت ايصال رسالة واضحة للحكومة البريطانية الجديدة برئاسة غوردون براون، مفادها ان التغيير في الاشخاص علي قمة السلطة في البلاد لا يكفي لتوفير الامن، وانما التغيير في السياسات.
فإذا اراد رئيس الوزراء الجديد ان يجعل شوارع بريطانيا ومطاراتها ومرافقها العامة والخاصة آمنة، فإن عليه ان يفعل ما فعلته حكومة ساباتيرو الاسبانية بعد تفجيرات مدريد، اي سحب القوات البريطانية من العراق، والابتعاد عن الحروب والسياسات الامريكية الكارثية في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي بشكل عام.
ولا نعرف ما اذا كان المستر براون سيتفهم مضمون هذه الرسالة ويعمل علي اساسه أم انه سيكابر مثل سلفه توني بلير، ويواصل اتباع السياسات نفسها التي جعلت بريطانيا هدفا للهجمات واعمال العنف والارهاب، ولكننا نعتقد ان امامه فرصة كبيرة في هذا الخصوص، وقد دشن عهده منذ ايام معدودة، وعين وزيرا شابا للخارجية كان معروفا بمعارضته لتورط بلاده في حرب غير شرعية وغير اخلاقية في العراق ادت حتي الآن الي مقتل مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين آخرين، علاوة علي مقتل واصابة المئات من الجنود البريطانيين.

نأمل ان لا ينعكس اكتشاف السيارات المفخخة هذه سلبا علي الجالية الاسلامية في بريطانيا، لان عمليات التحريض والاستهداف التي تعرضت لها هذه الجالية في الاعوام الاخيرة من بعض المسؤولين واجهزة الاعلام اليمينية صبت في خدمة التطرف والمتطرفين، وساهمت في عزل هذه الجالية وابنائها، وعرقلة عملية اندماجها المجتمعي.
فتحميل الجالية وابنائها مسؤولية حفنة من المتطرفين واعمالهم العنفية، ومطالبتهم ان يتحولوا الي مخبرين و جواسيس كان اسلوبا خاطئا، علاوة علي سذاجته، والاهداف المريبة من خلفه، ادي الي نتائج عكسية في معظم الاحيان. فهذا عمل اجهزة الامن بالدرجة الاولي، واذا كانت هذه الاجهزة، ورغم عشرات المليارات التي تنفق عليها، والخبرات الضخمة التي تضمها، وثمانية آلاف كاميرا نصبتها في لندن وحدها، قد عجزت عن اكتشاف هذه السيارات المفخخة، فكيف نلوم ابناء الجالية العاديين المسالمين الذين باتوا يبحثون عن لقمة عيش وسط مجتمع بدأ يمارس التمييز ضدهم، وينظر اليهم نظرات الشك والاتهام مسبقا؟
المسلمون في بريطانيا مواطنون، ويجب ان يعاملوا كذلك، وعلي قدم المساواة مع الآخرين، في الوظائف، وفرص العمل، وامام القانون، نقول هذا الكلام لان هناك حملة يتعرض لها هؤلاء تشكك في ولائهم، وتأخذهم بجريرة حفنة من المتطرفين من بينهم. فعندما تكشف الاحصاءات الرسمية ان المسلم البريطاني معرض للتوقيف من قبل البوليس سبع عشرة مرة اكثر من نظرائه البيض فان هذا يقرع جرس انذار ، للنتائج الخطرة التي يمكن ان تترتب علي ذلك بالنسبة الي الجالية نفسها، والسلم البريطاني.