اخيرا اعترفوا.. انه النفط

عندما كنا نؤكد ان ارسال الولايات المتحدة الامريكية لاكثر من نصف مليون جندي الي الجزيرة العربية قبل سبعة عشر عاما لم يكن من اجل تحرير الكويت وانما للسيطرة علي منابع النفط واحتياطاته، كان هناك من يتهمنا بتأييد النظام الديكتاتوري في العراق، واحتلاله لهذا البلد العربي الضعيف. وعندما عارضنا الغزو الامريكي للعراق قبل اربع سنوات وحذرنا من مخاطره علي المنطقة، واجهنا الاتهامات نفسها وزادوا عليها القول باننا ندافع عن المقابر الجماعية وانتهاكات حقوق الانسان العراقي.

كظمنا الغيظ، ولكننا لم نتخل عن قناعاتنا التي كوناها من خبرة ودراية واطلاع، فالموجة كانت عاتية، مدعومة باكثر من ملياري دولار امريكي ومحطات تلفزة، وصحف عملاقة جري توظيفها من اجل التضليل وليّ عنق الحقائق، وشيطنة النظام العراقي، لتسهيل الغزو والاحتلال.
بالامس اعترف وزير الدفاع الاسترالي برنيدان نيلسون، وفي اول اقرار من نوعه، بأن تأمين النفط يمثل عاملا اساسيا لغزو العراق، والوجود العسكري الاسترالي في هذا البلد. واضاف نيلسون ان الحفاظ علي امن المصادر النفطية في الشرق الاوسط يمثل اولوية للحكومة في كانبيرا كما ان كيفية استمرار الامدادات النفطية اثرت علي تخطيطنا الاستراتيجي .
الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش وحليفه توني بلير وثالثهما جون هوارد رئيس وزراء استراليا ظلوا يؤكدون ليل نهار بان غزو العراق لم يكن من اجل النفط، وانما لتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية ونشر الحريات وحقوق الانسان في المنطقة.
الدراسات النفطية العالمية اكدت بأن معظم مصادر الطاقة العالمية ستنضب في العقدين القادمين، وستظل منطقة الخليج التي يوجد فيها ثلثا احتياطات النفط في العالم هي المنطقة الوحيدة في العالم كمصدر للطاقة، ولذلك من يضع يده علي صنبور النفط فيها يتحكم في العالم وأمنه واقتصاده.
ففي عام 2020 سيرتفع استهلاك النفط من 75 مليون برميل يوميا مثلما هو عليه الوضع حاليا الي اكثر من 120 مليون برميل، الأمر الذي يعني حدوث ازمة عالمية ربما تتطور الي حروب، لان الطلب سيكون ضعف المعروض. والولايات المتحدة نفسها تستهلك 19% من مجموع امدادات الطاقة في العالم، ومن المتوقع ان يرتفع استهلاكها هذا اكثر من 55% في السنوات العشر المقبلة.
واللافت ان هناك ثلاث قوي عظمي ناشئة ستنافس الولايات المتحدة في المستقبل هي الصين والهند واوروبا، والقاسم المشترك بين هذه القوي الثلاث هو اعتمادها بشكل اساسي علي النفط المستورد من الخارج.
فالصين التي تتراوح فيها معدلات النمو الصناعي بين 17 ـ 20% يزيد استهلاكها من الطاقة بنسبة سبعة في المئة سنويا، والهند بنسبة خمسة في المئة.
الدراسات تشير الي ان احتياطات النفط العالمية (شركة بي بي البريطانية) تقدر حاليا بحوالي 1.2 تريليون برميل ومن المتوقع ان تنضب في فترة بين 40 ـ 80 عاما، ويقع 62% من هذه الاحتياطات في منطقة الشرق الاوسط. وستكون هذه المنطقة هي الوحيدة في العالم كمصدر اساسي للطاقة مع العام 2025.
احتياطات النفط العراقي المثبتة عالميا تقدر بحوالي 120 مليار برميل، وهناك من يقول بان الرقم الحقيقي هو 220 مليار برميل لان هناك مناطق شاسعة في العراق لم تشهد اي عمليات تنقيب بسبب القيود التي كان يفرضها النظام السابق، والحرب التي كانت تشنها الدول الغربية ضده بسبب قراره بتأميم النفط العراقي.
واذا تأملنا بنود قانون النفط الجديد الذي تعرضه حكومة السيد نوري المالكي علي البرلمان لإقراره هذا الاسبوع فان اول ما يصدم الانسان فيه هو انهاء سيطرة شركة النفط العراقية علي ثمانين بئرا نفطية، وحصر مسؤوليتها في 18 بئرا فقط، وتوزيع 62 بئرا باقية علي شركات النفط الاربع العملاقة وهي امريكية وبريطانية في الاساس.
الاخطر من ذلك ان هذا القانون الذي اعدته الادارة الامريكية وخبراؤها يعطي هذه الشركات سلطات واسعة للتنقيب عن النفط في مختلف انحاء العراق، وادارة اي حقول جديدة تكتشفها ودون ان يكون للشركة الحكومية العراقية النفطية اي نصيب او دور.
ولذلك لم يكن مستغربا ان تصدر هيئة علماء العراق فتوي رسمية بتحريم هذا القانون، أو المصادقة عليه من قبل النواب، لان هذا يعتبر تفريطا بالثروة الوطنية الأبرز في البلاد، ووضعها تحت سيطرة شركات النفط الاجنبية مثلما كان عليه الحال قبل التأميم.
القوات الامريكية لم تحتل العراق وتطيح بنظام البعث من اجل انصاف الشعب العراقي، وتحسين ظروفه المعيشية، وصيانة حقوقه الانسانية، وانما من اجل السيطرة علي النفط، ومنع وجود اي قوة عربية او اسلامية يمكن ان تهدد النفوذ والهيمنة الامريكيين علي منطقة الخليج العربي.
النفط العراقي يتعرض للنهب في وضح النهار، وآباره هي الوحيدة في العالم التي لا توجد عليها عدادات تحصي كميات الضخ والتصدير، واكدت الدراسات الامريكية ان حوالي 300 الف برميل تسرق يوميا وتذهب الي خزائن الميليشيات العراقية التابعة للائتلاف الحاكم في بغداد.
المصيبة ان الاحزاب والشخصيات العراقية التي تواطأت مع المخطط الامريكي لتشريع احتلال بلادها، وبعضها كان وما زال يرفع راية الاسلام للأسف، هي التي تسعي حاليا من اجل تمرير واعتماد قانون النفط العراقي الجديد في البرلمان واطلاق يد الشركات النفطية الاجنبية لتفعل ما تشاء بثروة البلد الوطنية ولعشرات السنوات المقبلة.
الشعب العراقي غارق في حربه الاهلية الطائفية التي اغرقه الاحتلال واعوانه في مستنقعها، ومعظمه يفكر بالهرب طلبا للنجاة، اما البعض الآخر فيقف ساعات امام محطات الوقود لملء خزان سيارته، ويعاني من انقطاع الكهرباء والماء، وينتظر اخبارا مفجعة يوميا حول وفاة قريب او عزيز.
النفط كان السبب الرئيسي لغزو العراق، والنفط ايضا سيكون السبب الرئيسي لأي عدوان امريكي جديد علي ايران، لان ايران حسب وجهة النظر الامريكية ترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه الرئيس العراقي صدام حسين عندما اراد تطوير اسلحة دمار شامل، يمكن ان تشكل تهديدا للهيمنة الامريكية علي المنطقة، وتفتح المجال امام النفوذ الصيني والهندي والروسي، وتعمل علي تأسيس تحالف يعزز القوة العربية في مواجهة اسرائيل.