الحوار.. أو الاستقالة فورا

تتسم معظم تصرفات الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) بالاندفاع نحو تبعية غير مسبوقة للولايات المتحدة الامريكية واسرائيل دون ان يتبصر النتائج الخطيرة التي يمكن ان تترتب علي هذا التوجه علي صعيد القضية الفلسطينية ومستقبل الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

منذ استيلاء حركة حماس علي قطاع غزة، وانهيار اجهزة السلطة الامنية التابعة للوردات الحرب ومكتب الرئاسة، والرئيس عباس يتخبط في قراراته ومواقفه ويعمق تحالفاته مع الدولة العبرية، وضد شعبه، او قطاع كبير منه، مقابل حفنة من الاموال والمعونات الغربية والامريكية علي وجه الخصوص.
اسرائيل، وبسبب انعدام الرؤية الاستراتيجية لدي الرئيس الفلسطيني، باتت تتعامل مع سلطة رام الله كأنها سلطة لحد ، وحصرت كل تعاونها معها في المجالات الامنية فقط، مستغلة حالة الانقسام الكبيرة في الوسط الفلسطيني، وانتصار التيار المحيط بالرئيس عباس الذي يحقد علي العرب والاسلام، ويطالب بالارتماء الكامل في احضان اسرائيل وامريكا باعتبارهما عجلة الانقـــــاذ الوحيدة والبـــوابة الرئيســـية لهزيمة حماس واعادة الاوضاع الي ما كانت عليه قبل انتصارها الساحق في قطاع غزة.
الرئيس عباس بات يكن حقدا شخصيا علي حركة حماس وينظر اليها من زاوية محاولتها المزعومة لاغتياله، بحيث بات مسكونا بهذه المحاولة الفاشلة، ويري كل القضايا من زاويتها فقط، واصبح غير مستعد لسماع اصوات العقل والمنطق التي تخطيء قراراته غير المتزنة، وتطالبه بالعودة الي الشرعية والصواب، والابتعاد عن المواقف المتخبطة، والا كيف نفسر اتهامه للحركة بايواء تنظيم القاعدة وهي تهمة تعني وضع الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني علي قوائم الارهاب والعنف، وتبرير كل المجازر الاسرائيلية السابقة واللاحقة في قطاع غزة.
الغالبية الساحقة من قرارات الرئيس عباس الاخيرة غير شرعية، وكل ما بني عليها بالتالي غير شرعي. فحكومة الطواريء التي اعلنها كبديل لحكومة الوحدة الوطنية تتعارض كليا مع القانون الاساسي للحكم الذي وضعه خبيران قانونيان فلسطينيان عالميان هما الدكتور انيس القاسم رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني، والبروفسور القاضي يوجين قطران.
السيدان القاسم وقطران اكدا دون اي لبس او غموض، ان حكومة الطواريء تفقد شرعيتها اذا لم تقر من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو ما لم يحدث مطلقا، وقال لي الدكتور القاسم شخصيا، وهو ليس من حماس، وغير معروف بتوجهاته الاسلامية، ان الحكومة الشرعية الوحيدة هي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السيد هنية، وأكد لي ايضا، في محادثة هاتفية، ان حركة حماس لم تقم بحركة انقلابية في قطاع غزة، لأن حكومتها تتمتع بالشرعية، والشرعية لا تنقلب علي نفسها.
الرئيس عباس يريد الغاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، واستبداله بالمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية غير المنتخب، ولذلك وجه الدعوة الي هذا المجلس للانعقاد الاسبوع المقبل من اجل توجيه الدعوة لعقد انتخابات جديدة في اقرب وقت ممكن.
المجلس المركزي الفلسطيني الذي يدعو السيد عباس لانعقاده، بتحريض وفتاوي من قبل بعض المحيطين به من بقايا بطانة الفساد، هو مجلس غير شرعي، لان صلاحيته انتهت قبل عشر سنوات علي الاقل. فالمجلس الوطني الفلسطيني الذي ينتخب المجلس المركزي لم ينعقد منذ عقد ونصف العقد، وانا شخصيا عضو مستقل في هذا المجلس واعرف قانونه جيدا. فالمجلس المركزي هذا علاوة عن كونه منتــــهي الصلاحية ومات عدد كبير من اعضائه، يمثل مرحلة انتهت وأسدل الستار عليها، مرحلة بيروت وتونس، ولا يضم أيا من القوي الجديدة الفاعلة علي الساحة الفلسطينية مثل حماس، والجهاد الاسلامي، ولجان المقاومة الشعبية، وكتائب شهداء الاقصي.
معظم الفصائل الفلسطينية الممثلة في المجلس المركزي لم تحصل علي مقعد واحد في انتخابات التشريعي الاخيرة، ومعظم امنائها العامين الذين يتصدرون مقاعد الصف الاول في جلساته لم يحصلوا حتي علي اصوات زوجاتهم وابنائهم. وافضل تمثيل لبعض الفصائل الكبري، باستثناء حركة فتح ، في المجلس التشريعي لم يزد عن مقعدين. وتكفي الاشارة الي ان كتلة السيد سلام فياض الذي يرأس حكومة الطواريء لم تحصل الا علي مقعده ومقعد السيدة حنان عشراوي شريكته السابقة فيها قبل ان تنفصل عنه.
اجراء انتخابات فلسطينية جديدة بدعوة من المجلس المركزي المحنط ، سيكون خطوة غير شرعية لان القسم الاساسي من الشعب الفلسطيني الذي تمثله حركة حماس وفصائل المقاومة الاخري لن يشارك فيها. ولهذا ستؤدي الي تثبيت حالة الانقسام الحالي، وتخلق مشاكل جديدة اكثر تعقيدا.
الرئيس عباس يقف حاليا امام مأزق خطير، وليس امامه غير احد خيارين للخروج منه، الاول ان يتقدم باستقالته كرئيس للسلطة، والثاني ان يعود الي مائدة الحوار مع حركة حماس متخليا عن عناده، ومتجاوزا مراراته الشخصية الناجمة عن محاولة اغتياله المزعومة من قبل كتائب عز الدين القسام التابعة لها.
من الواضح ان السيد عباس لا يريد الاستقالة وهو متشبث بكرسي الرئاسة، ويجد من يحرضه علي ذلك من المحيطين به الذين لا يتمتعون بأي شرعية سياسية او تنظيمية، كما انه اي الرئيس عباس لا يريد الحوار مع حركة حماس ويجد تشجيعا من اسرائيل وامريكا وبعض الأنظمة العربية للمضي قدما في هذا الطريق.
علي الرئيس عباس ان يدرك، انه بدفع رواتب موظفيه فقط، وتأييد الاملاءات الاسرائيلية بفتح معبر كرم سالم وبما يعيد الوصاية الاسرائيلية الكاملة علي قطاع غزة، انما يخدم المصالح الامريكية والاسرائيلية، بقصد او بدونه، ويعرض الشعب الفلسطيني لخطر الشرذمة والضياع.
لا نريد ان يتحول الرئيس عباس الي جنرال لحد آخر، وان تزداد عزلته الشعبية الفلسطينية والعربية الرسمية، بعد ان اغلق اقرب حلفائه الابواب في وجهه (مصر والسعودية) ولذلك نتمني عليه، وقبل ان تتكرس هذه العزلة، وتصبح طرق العودة الي الشرعيتين العربية والفلسطينية مغلقة نهائيا، بحيث لا تبقي امامه الا طريق باتجاه واحد نحو تل ابيب، نتمني عليه ان يتخلي عن عناده، والمجموعة المنتفعة والملتفة حوله، ويعود الي صوابه، وان فعل سيجد الشعب الفلسطيني كله ملتفا حوله، وان لم يفعل فعليه تحمل كل النتائج.
فلسطين ليست ملكا للسيد عباس، وقضيتها لا يجب ان تكون رهينة له، وعليه ان يتذكر ان كل الذين تحالفوا مع امريكا واسرائيل انتهوا نهاية بائسة، ولن يكون استثناء.