عندما يفقد الرئيس اعصابه

يعكس التلاسن، والاتهامات المتبادلة، بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسيد محمود الزهار وزير الخارجية الاسبق، وأحد قادة حركة المقاومة الاسلامية حماس ، درجة التردي التي وصل اليها الوضع الفلسطيني في الايام الاخيرة.

الرئيس عباس يتحمل المسؤولية الاكبر، بحكم موقعه اولاً، ولانه الباديء بحفلة السباب والشتائم هذه، فمن استمع الي المفردات والالفاظ التي استخدمها في خطابه الذي القاه في افتتاح اعمال المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله يوم الاربعاء الماضي، مثل سخيف، حقير، دنيء وكاذب لا يمكن ان يصدق انها تصدر عن رئيس دولة من المفترض ان يقدم المثل، والنموذج، في الترفع والتسامي، وضبط النفس، وهدوء الاعصاب وكظم الغيظ، ولكنه لم يفعل، وخرج عن كل الاعراف والتقاليد المتبعة في ادارة الأزمات، وآداب المخاطبة.
وربما يجادل البعض، من انصار الرئيس عباس بالقول، بان الآخرين، اي قادة حماس، قد قدموا له الاعذار والمبررات، للذهاب بعيداً، عندما خرجوا عن الشرعية ، واستولوا علي مقار الاجهزة الامنية في قطاع غزة اثناء حركتهم الانقلابية، وما رافق ذلك من تجاوزات معيبة ، وهذا ربما ينطوي علي بعض الصحة، ولكن من المفترض ان يكون الرئيس عباس اباً للجميع، وصاحب نظرة سياسية ثاقبة بعيدة المدي، وان يبقي الباب موارباً حتي مع من اختلف معهم، لانه سيضطر في يوم ما للجلوس والتحاور مع هؤلاء، وهو الذي لا يتورع عن الالتقاء بالاسرائيليين ورئيس وزرائهم ايهود اولمرت ويعانقه بحرارة، وهو الذي يحتل الارض، ويقيم المستوطنات، ويخنق القدس المحتلة، ويقتل يومياً من الفلسطينيين ويجرح بدم بارد، ويبقي علي اكثر من عشرة آلاف اسير في المعتقلات.
الرئيس عباس يقدم علي مغامرة خطيرة، او انقلاب سياسي ربما يكون اخطر من انقلاب حماس الذي يتحدث عنه بمرارة وقسوة، عنوانه اقصاء حماس من العملية السياسية كلياً، وتجريمها، واعلان الحرب عليها، واتهامها بالارهاب وتحريض العالم بأسره ضدها، بالقول انها تؤوي تنظيم القاعدة وتوفر له الحماية، وهو يعلم جيداً مدي كراهية هذا التنظيم لها ولقيادتها، من خلال اشرطة الدكتور ايمن الظواهري بالصوت والصورة.
استبدال المجلس المركزي بالمجلس التشريعي، وتحويل الاول غير المنتخب الي مرجعية، هما خروج واضح علي الشرعية، ونصوص اتفاقات اوسلو التي هندسها السيد عباس نفسه، ونظام الحكم الاساسي الذي مارس ضغوطاً كبيرة علي الرئيس الراحل ياسر عرفات من اجل اقراره. فالمجلس المركزي هذا لا يمثل ربع الشعب الفلسطيني علاوة علي كونه فاقد الشرعية تماماً، لان عمره القانوني انتهي قبل عشر سنوات علي الاقل.
اعضاء المجلس المركزي الذين صفقوا للسيد عباس وهو يلقي كلمته يمثلون في معظمهم فصائل وهمية، انتهت في معظمها مع انتهاء الحرب الباردة، ولم يبق منها غير منصب الامناء العامين فقط الذين تصدروا الصف الاول، وتجاوزوا سن التقاعد بسنوات.
فدعوة مجلس مركزي غير شرعي، لانتخابات تشريعية ورئاسية، هي دعوة غير شرعية، وأي نتائج ستتمخض عنها بالتالي باطلة، الي جانب النتائج الخطيرة التي يمكن ان تترتب عليها علي صعيد تعميق حالة الانقسام الراهنة جغرافياً وسياسياً ونفسياً.
وحتي محاولة الرئيس عباس للاستنجاد بقيادة فتح التاريخية في الخارج، واستصدار تصاريح لكل من فاروق قدومي وابو ماهر غنيم ومحمد جهاد اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح علاوة علي السيد نايف حواتمة امين عام الجبهة الشعبية الديمقراطية، لتعزيز جبهته ضد حماس باءت بالفشل، لان أيا من هؤلاء لم يلب دعوته، مما اظهره بمظهر غير لائق امام الشعب الفلسطيني والعالم بأسره.
الانتخابات حتي تعطي ثمارها، يجب ان تكون نتيجة توافق ومشاركة كل الوان الطيف السياسي دون استثناء او اقصاء، ومن الواضح ان الرئيس عباس لا يريدها كذلك، وبات يتبني تعريف الرئيس بوش لها، اي لن يحدد نتائجها مسبقاً قبل اجرائها، وهذا ما يفسر تغييره النظام الانتخابي الذي جرت علي اساسه انتخابات المجلس التشريعي الاخيرة، من نظام القائمة والدوائر المختلط، الي نظام الدائرة الواحدة، او الانتخابات النسبية مثل الانتخابات الاسرائيلية.
فكيف يمكن ان تكون هناك انتخابات لا تشارك فيها فصائل وتنظيمات تمثل نصف الشعب الفلسطيني علي الاقل، اي حركتي حماس والجهاد الاسلامي، ثم بعد ذلك ثلث الشعب الفلسطيني في الداخل وهم ابناء قطاع غزة؟
حتي الدعوة الي انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الذي مات وشبع موتاً، وكان آخر مرة انعقد فيها قبل عشر سنوات للتصفيق للرئيس بيل كلينتون، والغاء الميثاق الوطني الفلسطيني دعوة غير شرعية، فهو مجلس لم يضم اربعة فصائل رئيسية مثل حماس والجهاد ولجان المقاومة الشعبية وكتائب شهداء الاقصي، ولذلك كل ما انبثق عنه من مؤسسات يعتبر غير شرعي، مثل اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي.
فكيف تدعو لجنة تنفيذية لعقد هذا المجلس ونصف اعضائها انتقلوا الي الرفيق الاعلي، والنصف المتبقي اما من المرضي او من اعضاء يمثلون فصائل انقرضت، وغير ممثلة في المجلس التشريعي المنتخب، لانها لم تفز بأي من المقاعد في الانتخابات الاخيرة.
الرئيس عباس لعب دوراً كبيراً في تجميد اعمال المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية في المنظمة لصالح اتفاق اوسلو ومؤسساته، وجعل المجلس التشريعي هو البديل، لان الغلبة فيه كانت لتنظيم فتح ، ولكن بعد ان تغيرت الخريطة بعد انتخابات اشاد الجميع بنزاهتها وحريتها، واصبحت حركة حماس تملك الاغلبية، اعاد احياء عظام المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة المركزية وهي رميم .
الرئيس عباس امام خيارين لا ثالث لهما في رأينا.
الاول: اقامة سلطة ديمقراطية تقوم علي التوافق السياسي، وتستند الي المقاومة، وتحتكم الي الشعب وصناديق اقتراعه من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
الثاني: حل السلطة الوطنية، واعلان ديكتاتورية المقاومة المسلحة، بعد ان فشلت كل الخيارات الاخري، بما في ذلك خيار المفاوضات واحياء ثقافة العناق والتقبيل مع الاسرائيليين التي ماتت بموت الرئيس ياسر عرفات (لم يقبل اسرائيليين مطلقاً).
الرئيس عباس اختار فيما يبدو، ومثلما نري في تحركاته ومراسيمه الاخيرة، النهج الديكتاتوري، مع فارق اساسي وهو ان الديكتاتوريين، عرباً كانوا او اجانب، يعتمدون علي قواهم القمعية الوطنية، ولكن الرئيس عباس يريد الاعتماد في ديكتاتوريته الجديدة علي الاحتلال وقواته، ويتحالف مع اولمرت ضد ابناء جلدته، وينتظر ان يقوم الاخير باعادة تحرير قطاع غزة، وتسليمه مجدداً لمكتب الرئاسة ورموز الفساد السابقة.
الشعب الفلسطيني بحاجة فعلاً الي ثورة انقاذ تتصدي لطرفي المعادلة السياسية الفلسطينية، وتخرجه من هذا الوضع الحرج والخطير، وتعيده الي ثوابته الحقيقية، فقد اتسع الخرق علي الراقع فعلاً ، وبات الوضع لا يحتمل لان نتائجه مدمرة علي الصعد كافة.