بلير وبداياته الخاطئة

لا نعتقد ان شخصا في ذكاء توني بلير وخبرته لا يدرك حجم الصعوبات التي يمكن ان تواجهه كمبعوث للجنة الرباعية الدولية لتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ولذلك فان قبول الرجل بهذه المهمة يظل موضع الكثير من علامات الاستفهام والتعجب في آن.

بلير بدأ امس مهمته رسميا بزيارة الاردن والدولة العبرية، حيث التقي وزيري خارجية البلدين، وقال متحدث باسمه انه يحضر من اجل الاستماع ولهذا لم تصدر عنه اية تصريحات رسمية علنية عن طبيعة هذه اللقاءات، والنهج الذي يتبعه ويبدو مختلفا عن الآخرين الذين سبقوه علي الطريق نفسه.
نتفق مع الرأي الذي يقول بانه من السابق لأوانه اطلاق احكام متسرعة علي الرجل ومهمته وهو لم يبدأ عمله بعد، وضرورة اعطائه فرصة ليجرب حظه، ويظهر ما في جعبته من حلول سحرية غير مجربة في السابق من قبل من سبقوه، ولكن المقدمات الخاطئة لا يمكن ان تؤدي الي نتائج صحيحة علي اي حال.
وما نقصده بالمقدمات الخاطئة عدة امور اساسية نلخصها في النقاط التالية:
اولا: ان يقول المتحدث باسمه انه جاء الي المنطقة من اجل الاستماع، فهذا امر يمكن ان يكون مقبولا من شخص لا يعرف المنطقة جيدا، وغير خبير في دهاليزها، ويحتاج الي وقت لمعرفة دقائق الامور قبل ان يبلور استراتيجيته، ولكن بلير زار المنطقة اكثر من مرة، ويعرف جميع المسؤولين فيها، كبارا وصغارا، وشارك في جميع اجتماعات اللجنة الرباعية، والقمم الاوروبية التي بحثت هذه المسألة واصدرت بشأنها مواقف وبيانات عديدة، والاكثر من ذلك انه ترأس مؤتمرا حول الشرق الاوسط دعا الي عقده في لندن قبل عام ونصف العام تقريبا حضره معظم وزراء الخارجية العرب علاوة علي السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ثانيا: اختار بلير القدس المحتلة مقرا لاقامته، ونقطة انطلاق لجولاته المكوكية في المنطقة، مثلما تعمد اختيار مقر الحاكم العسكري البريطاني في زمن الانتداب المسمي بـ القصر مكتبا ومنزلا له، وهما اختياران سيئان بكل المقاييس يكشفان عن رغبة متعمدة لاستفزاز العرب. فالحكومة البريطانية نفسها التي كان يتزعمها بلير لاكثر من عشر سنوات، لم تعترف بالقدس المحتلة عاصمة للدولة العبرية، وما زالت تحتفظ بسفارتها في تل ابيب، وقنصلية فقط في المدينة المقدسة.
ثالثا: تعمد بلير اختيار دانيال ليفي ابن مبعوثه السابق لشؤون الشرق الاوسط كمستشار له في وظيفته الجديدة، وليفي هذا عمل في مكتب ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي، ووالده اللورد ليفي معروف بعلاقاته الوثيقة مع المسؤولين الاسرائيليين.
ربما يكون دانيال ليفي علي درجة كبيرة من الخبرة والدراية، ولا اعتراض عليه كشخص، ولكن الاعتراض ألا يلجأ بلير الي التوازن، اي يختار مستشارا عربيا الي جانبه، فبريطانيا مليئة بالكفاءات البريطانية من اصل عربي وفلسطيني، وبعضهم اساتذة وقضاة ومحامون كبار.
واذكر ان وفدا فلسطينيا التقي بلير اثناء مجزرة جنين، كنت احد اعضائه، طرح مسألة التوازن هذه، وطالب بمبعوث عربي الي جانب اللورد ليفي مبعوثه الخاص لشؤون الشرق الاوسط، ولكنه لم يعر هذا الطلب اي اهتمام، وها هو يكرر الخطأ نفسه.
رابعا: استبعد المتحدث باسم بلير اية لقاءات مع مسؤولين من حماس ، وهذا يعني انه سيقصر لقاءاته علي مكتب الرئاسة الفلسطينية، والرئيس عباس علي وجه الخصوص، اي نصف الشرعية الفلسطينية، الامر الذي سيحكم علي مهمته بالفشل حتي قبل ان تبدأ. فحركة حماس فازت باغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب بطريقة شفافة ونزيهة. وبلير ادعي دائما انه يؤيد الديمقراطية ويشجع عليها كأسلوب حكم في الشرق الاوسط. وها هو يناقض كل اقواله في هذا الخصوص. وهذه ليست صفة من صفات الوسيط الناجح.
خامسا: يبدو من خلال الصلاحيات المحددة لبلير من قبل اللجنة الرباعية، والادارة الامريكية خصوصا، انه سيركز علي الجانب الفلسطيني، وكيفية قيام مؤسسات فلسطينية تكون قادرة علي استلام الحكم في حال قيام دولة فلسطينية مستقلة، او بالاحري كيفية اعادة تأهيل الفلسطينيين، والارتقاء بمستواهم حتي يصبحوا اهلا لهذه المهمة، وهو الشعار نفسه الذي انعقد تحته مؤتمر لندن للسلام الذي قاطعته الحكومة الاسرائيلية في حينه. والسؤال هو حول كيفية اقامة مثل هذه المؤسسات في ظل خمسمئة حاجز اسرائيلي تقطع اوصال الضفة الغربية، وتحول حياة المواطنين الي جحيم، وفي ظل اغلاق المعابر المؤدية الي قطاع غزة بأمر اسرائيلي، وبما يجعل من مليون ونصف المليون فلسطيني معتقلين فعليا، ومحرومين من ابسط اساسيات الحياة من طعام وشراب وطبابة وحرية حركة.
لا نريد من بلير ان يقوم بدور المستمع، وانما الصوت القوي الذي يتحدث عن صلب القضايا، والا فإن مهمته هذه ستكون مضيعة للجهد والمال والوقت، وهو ما نتوقعه في جميع الاحوال.
ومن الغريب ان المدافعين عن بلير، والمادحين لكفاءاته، وخبراته التفاوضية، والدبلوماسية، يركزون علي انه ضحي بملايين الدولارات كان يمكن ان يجنيها من جراء كتابة مذكراته، او القاء محاضرات في اوروبا وامريكا، وكأن الرجل سيقوم بهذه المهمة تطوعا، وبدون اي مقابل مادي. ولو كان الحال كذلك لما اختار هذا القصر الفخم في القدس المحتلة الذي يبدو ضعفي حجم مقر رئاسة الوزراء في لندن كمقر لإقامته.
توني بلير ارتكب العديد من الخطايا في حق العرب والمسلمين، ابرزها حربه في العراق التي ادت الي تخريب هذا البلد وتقطيع اوصاله، ومقتل مليون من خيرة ابنائه، وتشريد خمسة ملايين علي الاقل في الداخل والخارج، واغراقه في حرب اهلية طائفية دموية، وفوضي عارمة. ولا نعتقد انه ذاهب الي المنطقة من اجل التكفير عنها، وانما ارتكاب خطيئة جديدة في حق الفلسطينيين.
من حقنا ان نشعر بالشك والريبة تجاه الرجل ومهمته، فقد تعرضنا لاكثر من لدغة من حجره في السابق علي مدي سنواته العشر في الحكم، وعندما قلنا ان المجرم يظل يحوم في مكان جريمته لم نكن نبالغ علي الاطلاق. ونأمل ان يثبت بلير خطأ اعتقادنا هذا عمليا من خلال الافعال والاقوال معا.