درس الممرضات البلغاريات

بالافراج عن الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني، وعودتهم جميعا الي صوفيا علي متن طائرة رئاسية فرنسية، يكون الستار قد اسدل رسميا علي قضية محرجة لجميع اطرافها، وخاصة الطرف الليبي، ظلت تحتل عناوين الصحف، ومحور اتصالات دبلوماسية متعددة الاطراف.

السلطات الليبية تعرضت لعملية ابتزاز اوروبية غير مسبوقة، فقد تحالفت ضدها جميع الحكومات الاوروبية ومعها الولايات المتحدة الامريكية، واحكمت العزلة عليها علي الصعد كافة، وربطت كسرها بالافراج عن هؤلاء دون شروط.
نعترف اننا في هذه الصحيفة لم نصدق مطلقا الرواية الرسمية الليبية التي كانت تؤكد ان هؤلاء الستة اقدموا علي حقن الاطفال الليبيين بفيروس الايدز، ليس لاننا ضد ليبيا ومع البلغار، وانما لاننا لا نثق مطلقا بالانظمة القضائية العربية جميعا، ولا يمكن ان نقتنع بان خمس ممرضات وطبيبا فلسطينيا اقدموا جميعا علي هذه الجريمة، وليس واحدة او اثنتين. فمهما تحجرت قلوب هؤلاء ومهما حملوا من احقاد علي العرب، لا يمكن ان يقدموا مجتمعين علي هذه الجريمة البشعة بكل المقاييس.
ما حدث في مستشفي بنغازي العام في ليبيا هو فضيحة كبري، لان المسؤولين فيه ارادوا، كعادة العرب في معظم الاحيان، البحث عن كبش فداء اجنبي لتحميله مسؤولية قصورهم واخفاقاتهم. فهذا المستشفي مثل معظم مستشفيات ليبيا، والحكومية العربية الاخري، يفتقد الي ابسط اسس الرعاية الطبية، والادارة الناجحة، ونظم المراقبة المتبعة، واستفحال الفساد، وكان من الطبيعي في ظل هذه الاجواء ان تحدث اخطاء كارثية، عرفنا منها قضية اطفال الايدز التي كانت بمثابة قمة جبل الثلج التي تخفي حقائق مرعبة.
عندما دفعت السلطات الليبية ما يقارب الثلاثة مليارات دولار تعويضا لأسر ضحايا حادثة لوكربي الشهيرة، قال السيد عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، وبشجاعة يستحق التهنئة عليها، ان بلاده اشترت بهذا المبلغ امنها واستقرارها، وخطت خطوة كبيرة نحو المستقبل. ونعتقد انها اضافت خطوة اخري لا تقل اهمية عن الاولي في الاطار نفسه، عندما افرجت عن الممرضات مقابل اكمال كسر العزلة المفروضة عليها من قبل الدول الاوروبية.
ليس مهما من دفع التعويضات، وليس مهما تكذيب الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي اكد ان اوروبا لم تدفع يورو واحدا لاهالي الاطفال الضحايا، او تصديق السيد شلقم نفسه الذي اكد عكس ذلك تماما، المهم ان هذه الصفحة قد طويت نهائيا، وخرجت منها جميع الاطراف بالحد الادني من الخسائر.
دروس كثيرة يمكن استخلاصها بالنسبة الينا كعرب من هذه المأساة وفصولها الممتدة علي مــــدي ثـــماني سنوات نوجزها في النقاط التالية:
اولا: اكد الاوروبيون مرة اخري مدي حرصهم علي مواطنيهم، وتضامنهم جميعا من اجل تأمين سلامتهم، وشاهدنا كيف ان الحكومات الاوروبية المنتخبة لم تكل او تمل علي مدي ثماني سنوات للافراج عن الممرضات، وقاومت كل الضغوط والتهديدات الليبية بصمود رائع. فقد هددت ليبيا بعدم التعاون في ملف الهجرة غير الشرعية، بل استخدمتها كورقة ضغط، وفتحت حدودها وشواطئها للمهاجرين غير الشرعيين الحالمين بالوصول الي اوروبا، ومع ذلك لم ترضخ اوروبا وتمسكت بمواقفها. لو كانت الممرضات المتهمات مثل زميلهن الفلسطيني من دول عربية واسلامية، لكنّ أعدمن قبل سنوات ودون تردد، ولكن وجود حكومات تحترم مواطنيها خلفهن انقذ حياتهن.
ثانيا: علينا ان نسلم كعرب، ان انظمتنا القضائية اضحوكة لا يحترمها او يقبل بأحكامها احد. ولهذا نواجه تدخلات خارجية دائمة لالغاء الاحكام الصادرة عن محاكمها وقضاتها. وقضية الممرضات البلغاريات، والنهاية التي انتهت عليها تؤكد هذه الحقيقة، والشيء نفسه يقال عن الممرضات البريطانيات اللواتي قتلن زميلتهن في السعودية، واعترفن بذلك، واضطرت الحكومة السعودية للافراج عنهن في نهاية المطاف، بل ودفعت الدية ، او التعويضات لأسرة الممرضة القتيلة لاغلاق هذا الملف.
ثالثا: الحكومة البلغارية، غير العربية وغير المسلمة، تعاطفت مع طبيب فلسطيني تقطــــعت به الســـبل، ومنحــته جنســيتها، وساوته مع مــواطناتها، وأصــرت علي الافــراج عنه اســوة بــهن، من منـطلق انساني محض، بينـــما لم تتعــاطف معــه اي دولة عــربــية، وتخلت عنــه السلطة الفلسطينية، وزار الرئيس محمود عباس طرابلس الغرب اكثر مــن مـــرة ولم يطرح موضوعه مطلقا مع القيادة الليبية اثناء اجتماعه معها.
رابعا: تخلت جميع الحكومات العربية عن ليبيا في الازمة، ولم تتضامن معها، تماما مثلما فعلت اثناء الحصار الامريكي الذي فرض عليها، ولو كان هناك موقف عربي تضامني حقيقي لما تعرضت لكل هذا الابتزاز الاوروبي الجماعي، ووقفت في وجهه منفردة دون ظهر عربي حقيقي يسندها.
نتمني ان تستوعب ليبيا اولا، والدول العربية ثانيا، هذه الدروس، وتستخلص العبر منها، وتبدأ مسيرة التأسيس لنظام عربي حديث، يقوم علي الشفافية والعدالة واحترام حقوق الانسان، والقضاء المستقل، ورفاهية المواطن، ومكافحة الفساد باشكاله كافة، واعتماد نظم ادارية عصرية.
اكثر من خمسمئة مليار دولار تدخل سنويا خزائن الحكومات العربية كعوائد نفطية، هذا غير عوائد الغاز والمعادن والمنتوجات الزراعية والصناعية الاخري، ومع ذلك من النادر ان تجد مستشفي واحدا يتمتع بالحد الادني من المواصفات العالمية المرعية. لذلك تجد المرضي العرب، يتقاطرون علي مستشفيات اوروبا وامريكا وحتي الهند.
ندرك جيدا ان امنياتنا هذه صعبة، ان لم تكن مستحيلة التحقيق في معظم بلداننا العربية، ولهذا نري جميع الامم تتقدم بخطوات متسارعة، وتلحق بركاب التقدم والنمو، بينما نظل نحن نراوح مكاننا، بل نرجع الي الوراء.