مفاجأة نصر الله.. والخيار السوري

السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني، رجل لا يكذب، يقول ويفعل، وعندما يتوعد اسرائيل بمفاجأة، قد تغير وجه المنطقة، اذا ما اعتدت علي لبنان، فان عليها ومن خلفها، أخذ هذا الكلام علي محمل الجد، خاصة وهي تجري مناورات عسكرية مكثفة في الوقت الراهن، بالقرب من الحدود اللبنانية والسورية، استعدادا لحرب جديدة، تعتقد انها ستنقذ ماء وجه مؤسستها العسكرية بعد هزيمتها المهينة في لبنان قبل عام.

من المرجح ان السيد نصر الله لا يتحدث هنا، عن صواريخ جديدة، تصل الي نقاط ابعد في العمق الاسرائيلي، فقد كشف في حديثه لقناة الجزيرة قبل بضعة اسابيع عن ازدحام ترسانته بمثل هذه الصواريخ التي تصل حسبما قال الي كل نقطة في الدولة العبرية، مثلما كشف ايضا في احاديث ســابقة، عن امتلاك الحزب عشرين الفا منها علي الاقل.
مفاجأة السيد نصر الله ستظل موضع تكهنات من قبل الخبراء العسكريين، الامريكيين والاسرائيليين منهم خاصة، ولكن ما يمكن استخلاصه للوهلة الاولي، هو امكانية تزويد هذه الصواريخ او بعضها، برؤوس كيماوية او بيولوجية. لان الحرب المقبلة اذا ما اشتعل فتيلها ربما تكون الاخيرة في المنطقة فعلا، ولن تتردد اطرافها في استخدام كل ما في جعبتها من اسلحة، لان الدرس الذي تعلمه العرب من العراق، وغزوه واحتلاله، هو ان بقاء الانظمة المستهدفة مستحيل مهما قدمت من تنازلات، ولهذا ليس امامها غير خيار شمشون . ومثلما لم يتردد حزب الله في تسجيل ضرب العمق الاسرائيلي بالصواريخ، فانه لن يكون مفاجئا، او مستغربا، اذا ما لجأ الي استخدام اسلحة الدمار الشامل في اي مواجهة جديدة. 
من الواضح ان الحلف السوري ـ الايراني المستهدف امريكيا واسرائيليا، ومن بعض حلفائهم العرب المعتدلين ، بات يميل الي التخلي عن استراتيجيته السابقة في التقوقع في خندق الدفاع، والتزام الصمت تجاه الطرف الآخر، وينتقل بشكل تدريجي متسارع الي استراتيجية الهجوم الاعلامي، في تزامن محسوب مع الاستعدادات العسكرية التقليدية وغير التقليدية. ولعل الانتقاد الساحق وغير المسبوق الذي شنه السيد فاروق الشرع نائب الرئيس السوري علي كل من السعودية ومصر، قائدتي ما يسمي بـ محور الاعتدال هو اول مؤشرات التوجه الجديد.
سورية التزمت الصمت لاكثر من ربع قرن تجاه حليفيها السابقين، مصر والسعودية، ولم توجه كلمة انتقاد واحدة لنظاميهما حتي بعد ان تفرقت السبل، وانهار مثلث التحالف الذي جمعها بهما وتوثق منذ غزو القوات العراقية للكويت عام 1990، وتجسد عمليا فيما سمي في ذلك الوقت بمنظومة دول اعلان دمشق ، ولهذا فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما دفع السيد الشرع الي شن هذا الهجوم علي النظامين المصري والسعودي، بهذا الوضوح، وتسمية الاشياء باسمائها وبالصوت والصورة، مثل قوله ان الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري حسني مبارك لم يجرآ علي عقد قمة ثلاثية مع الرئيس بشار الاسد في الرياض خوفا من امريكا. او قوله ان السعودية عجزت عن اقناع الادارة الامريكية برفع الحصار المالي عن الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق مكة الفلسطيني، وهي اقوي حلفاء واشنطن في المنطقة.
الاجابة علي هذه الاسئلة، وغيرها، يمكن استخلاصها من تعمق حال القطيعة، وحدوث الطلاق البائن الذي لا رجعة فيه بين النظام السوري وحلفائه السابقين في الاشهر الاخيرة، لان الاخيرين ذهبا بعيدا في التماهي مع الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، وشاركا بحماس في ابرز اهدافها اي عزل سورية وحلفائها مثل حزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة، والتمهيد للدخول في حلف عسكري جديد مع اسرائيل والولايات المتحدة لضرب ايران، في حال فشل الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي لأزمــــة المــفاعل النووي الايراني.
السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري اشتكي اكثر من مرة في جلسات خاصة، من رفض نظيره السعودي الامير سعود الفيصل زيارة دمشق تلبية للدعوات المتكررة من قبله، والسيد الشرع تحدث في خطابه في عيد الصحافيين عن رفض السعوديين المشاركة في اجتماع استضافته دمشق علي مستوي الخبراء لبحث الوضع في العراق، كما قال انها لم تلتزم باتفاق اقامة منطقة حرة بين البلدين، اي ان القطيعة امتدت حتي للجوانب الاقتصادية ايضا.
من الواضح ان المسؤولين السوريين توصلوا الي قناعة راسخة بان الشريك السعودي السابق اختار منحي مختلفا، وادار الظهر كليا لسورية، وانتقل الي مرحلة الايذاء، وبدأ بالحرب الاعلامية، وتحدث السيد الشرع صراحة عــن هذه المسألة عنـــدما قال ان وســائل الاعلام الســعــودية تتــحــدث مــرارا وتكــرارا، وبـ سلبية مؤســفة عن ســـورية خــلافا لوسائل الاعلام السورية آملا ان لا يتكرر ذلك في تهديد مبطن.
في الاسبوع الماضي، ويوم الاثنين السادس من آب (اغسطس) قطع الامير سعود الفيصل الشعرة الاخيرة في العلاقات مع سورية، عندما جدد في لقائه مع الصحافيين ما سماه بالمضامين التي وردت في الموقف الصادر عن مجلس الوزراء السعودي، وقال ان المملكة تحرص في كل مواقفها علي المحافظة علي مصالحها الوطنية، وأمنها، واستقرار شعبها، ووحدة العمل العربي، وتضامن العالم الاسلامي، و الفهم الواقعي للعالم والقوي المؤثرة فيه، وتري ان الطريق الي ذلك هو استقلالية القرار الوطني، والتعامل بندية وانفتاح مع دول العالم اجمع ووصل الي القول ان ما يحول دون ذلك هو القوي التي تتحدث باكثر من صوت، وتبحث عن مكامن الفرقة، وتبني مواقفها بعيدا عن الحقائق، وتعمل من اجل منفعتها الضيقة المباشرة، وان طريق التعامل مع ازمات المنطقة وتحقيق تقدم شعوبها ينبني علي تجاوز هذه القوي وشعاراتها وايديولوجياتها .
الامير سعود الفيصل لم يسم هذه القوي التي تريد بلاده تجاوزها، وايديولوجياتها، ولكن امبراطورية الاعلام السعودي الضخمة، قالت في اكثر من مقال لكتاب معروفين بعكسهم للسياسة الرسمية السعودية، بان الدولة المقصودة هنا هي سورية.
العارفون ببواطن الامور، في سورية يقولون ان هناك مدرستين داخل النظام السوري، واحدة تتسم بالمرونة والاعتدال، والتحلي باكبر قدر ممكن من ضبط النفس، والابقاء علي قنوات الاتصال مع واشنطن والغرب الاوروبي وحلفائهم من العرب، يمثلها جناح يتزعمه السيد وليد المعلم وزير الخارجية، ومدرسة اخري لا تري اي فائدة في مجاراة الغرب وحلفائه، وتؤكد علي ضرورة العودة الي ينابيع النهج السوري الاصلية، في التمسك بالثوابت القومية السورية في مواجهة السياسة الامريكية والاسرائيلية، واتباع نهج التصدي، وتثوير المنطقة مرة اخري. ويمثل هذه المدرسة السيد الشرع.
جناح الشرع عارض اعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام العراقي المنبثق من رحم الاحتلال، وطالب دائما بدعم المقاومة مثلما عارض اي تقارب مع محور الاعتدال العربي الذي يتبني حروب امريكا الحالية في العراق وافغانستان، والقادمة ضد ايران، مثلما عارض ايضا، وبقوة مسايرة لجنة التحقيق الدولية في مقتل الحريري رئيس وزراء لبنان الاسبق وشروطها المهينة، ولكن كفة الجناح الواقعي الذي يمثله السيد المعلم طوال العامين الماضيين كانت هي الأرجح.
الصورة تغيرت فيما يبدو، وباتت الاستراتيجية السورية الجديدة تنحاز الي جناح الصقور، في تبادل مدروس للأدوار، بسبب ادراك القيادة بان الوقت يمضي بسرعة، واحتمالات المواجهة مع اسرائيل وامريكا باتت اكبر وربما اسرع مما يتوقعه الكثيرون، ولم تعد هناك فائدة من الصمت والمسايرة والتخندق في خندق الدفاع والتغاضي عن حروب الطرف الآخر الاعلامية، والتحالفات السياسية والعسكرية المتسارعة التي ينسجها اقليميا ودوليا، وهذا ما يفسر مقاطعة سورية الكاملة لاجتماع وزراء خارجية الدول العربية الاخير الذي بحث مسألة تفعيل مبادرة السلام العربية، واستبعادها كليا من مؤتمر السلام الامريكي الذي دعا اليه الرئيس بوش في الخريف المقبل، وتقلص زيارات المسؤولين العرب الي عاصمتها، وخاصة السعوديين والمصريين.
السؤال هو: هل تبدأ سورية بترجمة استراتيجيتها الجديدة في خطوات عملية علي الارض، وكيف؟
من الصعب اعطاء اجابة حاسمة في هذا الخصوص، ولكن ما يمكن قوله هو ان تهديدات السيد حسن نصر الله وخطابه الجماهيري القوي والمعد جيدا وتزامنها في الوقت نفسه مع خطاب السيد الشرع وغير المسبوق في انتقاده للسعودية ومصر وامريكا ومؤتمر السلام المقبل والهرولة العربية اليه دون تبصر، وحدوث تحول في لهجة الاعلام السوري، كلها تؤشر الي بداية حرب اعلامية شرسة.
مشاكل سورية كثيرة ولكن الاساسية فيها هو ان محورها الذي تقف في خندقه يملك الارضية الوطنية القوية، ويرتكز علي منظمات وقوي شعبية تقاوم الاحتلال الاسرائيلي (حماس وحزب الله) ويمتلك الصواريخ وطابور الاستشهاديين، ولكنه لا يملك الأدوات الاعلامية الفاعلة والمؤثرة في اي حرب اعلامية مقبلة.
فقد كان لافتا ان محطة الجزيرة المدفعية الثقيلة التي عولت عليها الحكومة السورية طويلا وكثيرا لم تبث تهجمات السيد الشرع علي السعودية مثلما كان متوقعا منها، وفضلت اتخاذ موقف اقرب الي الحياد في هذا الصدد. وفي الوقت نفسه لا تتمتع الفضائية السورية بمصداقية كبيرة في اوساط الشارع العربي لانها ما زالت تتبع اساليب الحرب الباردة الاعلامية، او بالأحري الشق السوفييتي منها. بينما تملك الجبهة الاخري امبراطورية اعلامية ضخمة متعددة الاذرع، ومهيمنة بالكامل علي الساحة العربية.
التطور الاخطر الذي يمكن ان يكون بالغ التأثير، اذا ما لجأت اليه القيادة السورية، هو النزول الي ميدان العنف، او الارهاب ، لزعزعة استقرار خصومها. فليس هناك ابرع من المخابرات السورية في هذا الميدان، اذا ما قرروا اللجوء الي خيار شمشون اي علي وعلي اعدائي . ويكفي التذكير بان فتح الاسلام ورغم كونها ليست صنيعة المخابرات السورية، باعتراف العماد ميشال سليمان قائد الجيش اللبناني، وهو محق في ذلك لان الاصوليين الاسلاميين، والسعوديين منهم خاصة، يعتبرون النظام السوري نظاما علمانيا ملحدا، فان التسهيلات السورية هي التي ابقت هذه الجماعة علي صغرها، تصمد لمدة ثلاثة اشهر في مواجهة جيش رسمي جرار وتلحق به خسائر كبري في الارواح والمعنويات.
سورية حكمت المنطقة العربية بأسرها بـ العنف الفلسطيني طوال فترتي السبعينات والثمانينات وتستطيع اعادة الكرّة مرة اخري، فهناك الملايين من المحبطين من عمليات الإذلال والمهانة التي يتعرض لها العرب علي ايدي الامريكان وحلفائهم العرب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كانت سورية تملك الوقت للسير في هذا النهج مرة اخري؟
الايام المقبلة حافلة بالمفاجآت، وهي قطعا ليست سارة لامريكا واسرائيل، ومحور الاعتدال العربي، فنحن امام صراع فيلة مقبل، ومرحلة اللاسلم واللاحرب، او بالاحري اللاحسم الحالية لن تطول في جميع الاحوال، ومفاجأة السيد نصر الله قد تكون واحدة منها فقط.