تسعة اسباب ترجح الحرب

انتهي موسم الصيف، وبدأت عجلة العمل تدور بصورتها الطبيعية في العالم الغربي، وكل المؤشرات تؤكد ان منطقة الشرق الاوسط ستكون محور الاهتمام الابرز في الاشهر القليلة المقبلة.

ايران هي الهدف المقبل للحرب الامريكية بكل اذرعتها، السياسية والدبلوماسية والاعلامية والعسكرية. وعلينا ان نتوقع تصعيدا في هذا الاتجاه غير مسبوق، لان مساحة الوقت باتت تضيق امام الرئيس بوش، وكذلك الخيارات المتاحة امامه، للتعامل مع الملف النووي الايراني.
هناك عدة محطات لا بد من التوقف عندها، ترجح احتمالات الحرب في غضون الاشهر الستة المقبلة، اللهم الا اذا وقعت المعجزة، او تراجعت السلطات الايرانية عن طموحاتها النووية ورفعت راية الاستسلام البيضاء، ورضخت لكل المطالب الامريكية مثلما فعلت ليبيا وبعدها كوريا الشمالية.
اولا: حرص الرئيس الامريكي جورج بوش علي استخدام تعبير المحرقة النووية في خطابه الاخير الذي حذر فيه ايران من مغبة المضي قدما في مشروع تخصيب اليورانيوم وكأنه يمهد الرأي العام الامريكي، وربما العالمي، الي امكانية استخدام اسلحة نووية ضدها، او لعله يريد تصعيد تهديداته لإرهابها ودفعها للاستسلام.
ثانيا: بدأ نيكولا ساركوزي رئيس فرنسا الجديد، يأخذ دور توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق كحليف واشنطن الأوثق، وانعكس ذلك في تغييره سياسة فرنسا شيراك من حيث تبني المواقف والسياسات الامريكية في منطقة الشرق الاوسط، وحرصه علي قطع اجازته التي فضل قضاءها في امريكا للقاء الرئيس بوش في البيت الابيض.
ساركوزي ابلغ سفراء فرنسا في 188 دولة اثناء اجتماعه بهم قبل يومين، وبعد عودته من واشنطن مباشرة، بان ايران ستتعرض للقصف حتما اذا لم تتخل عن طموحاتها النووية. واكد ان امتلاك ايران لاسلحة نووية خط احمر بالنسبة الي فرنسا.
ثالثا: الصحافي الامريكي سيمون هيرش اكد لمجموعة من زملائه الفرنسيين الذين التقاهم في باريس قبل اسبوعين بان مصادره في البيت الأبيض اكدت له ان قرار قصف ايران اتخذ، وان معسكر ديك تشيني نائب الرئيس بات صاحب الكلمة الاعلي في هذا الصدد، وانه، اي هيرش، يتوقع استقالة روبرت غيتس وزير الدفاع قريبا لانه يتوقع نتائج كارثية للحرب.
رابعا: نيكولاس بيرنز وكيل وزارة الخارجية الامريكية ابلغ روجر كوهين كاتب العمود الشهير في صحيفة نيويورك تايمز بان معظم الدول السنية في المنطقة تري ايران دولة مزعجة ارهابية تهدد استقرار المنطقة، بل وتراها اكثر خطرا عليها من اسرائيل. واضاف بان هذه الدول، والخليجية منها بالذات، تدرك ان اسرائيل لا تشكل تهديدا لها بينما ايران هي مصدر التهديد.
خامسا: ادراج الولايات المتحدة الامريكية الحرس الثوري الايراني علي اللائحة الدولية للمنظمات الارهابية، وتهديد ايران بعدم السكوت علي هذه الخطوة، وكذلك تصاعد حدة الاتهامات الامريكية لايران بدعم حركات المقاومة وتنظيم القاعدة في العراق باسلحة وقذائف متطورة تسببت في تزايد الخسائر في صفوف القوات الامريكية. وهاتان الخطوتان تصبان في محصلة تعبئة الرأي العام الامريكي ضد ايران، وايجاد الذرائع لقصفها، فشيطنة الحرس الثوري الايراني تذكرنا بشيطنة الحرس الجمهوري العراقي.
سادسا: وقعت المملكة العربية السعودية اكبر منتج للنفط في العالم عقدا مع شركة لوكهيد مارتن الامريكية لتدريب وتجهيز وحدة مؤلفة من 35 الف عنصر لحماية المنشآت النفطية السعودية. وبلغت قيمة العقد حوالي خمسة مليارات دولار.
وهذه الخطوة تعكس مخاوف سعودية من اقتحام مراكز العصب لصناعة النفط السعودية في ابقيق في المنطقة الشرقية وينبع علي ساحل البحر الاحمر. وهي منطقة يطلق عليها اسم G.O.S.P اي معامل فصل الغاز عن النفط، واي ضربة جوية او صاروخية لهذه المراكز او بعضها ستشل الصناعة والصادرات النفطية السعودية كليا، وقد تحتاج عملية اصلاحها الي عامين علي الاقل. وقد حاول تنظيم القاعدة قبل عام مهاجمة مركز ابقيق ولكن دون ان يصل الي المعامل المحصنة بشكل جيد، ولكن استخدام طائرات شراعية انتحارية، او صواريخ شهاب الايرانية قد يؤدي الي تدميرها. وهذا ما يفسر عزم واشنطن تركيب منصات صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ قرب هذه المراكز في السعودية والكويت خاصة.
سابعا: استعجال واشنطن عقد مؤتمر دولي للسلام في الخريف المقبل، وتكثيف اللقاءات بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت من اجل التوصل الي اعلان مباديء قبل انعقاد هذا المؤتمر يصب في مصلحة الخيار العسكري ضد ايران، ولارضاء الانظمة السنية العربية، وتقديم غطاء لها في حال دخولها مع اسرائيل وامريكا، في جبهة واحدة ضد ايران وسورية وحزب الله و حماس .
ثامنا: التغيير المفاجيء للرئيس بوش تجاه المالكي وحكومته، فبعد ان كان عبر عن يأسه وخيبة امله تجاهه، وأوحي عن عزمه ازالته من السلطة، عاد واعطاه تصويتا بالثقة بصورة علنية في خطابه الاخير. التفسير الوحيد والاقرب الي الدقة هو ان الادارة الامريكية لم تعد تملك الوقت الكافي لإحداث اي تغييرات في العراق، بعد ان بات خيار ضرب ايران الاكثر ترجيحا، ولذلك قررت الابقاء علي الوضع علي ما هو عليه لانه لا فائدة من تغيير رئيس وزراء العراق وخلق فراغ دستوري ومشاكل اضافية.
تاسعا: قرار بريطانيا سحب قواتها من البصرة، وتسليم المسؤولية الامنية الي قوات الامن العراقية. فهذا القرار يعكس قناعة بريطانية من شقين، الشق الاول يفيد بان الهزيمة في العراق حتمية وامكانيات النصر معدومة، والثاني ان وجود هذه القوات سيجعلها فريسة لأي انتقام شرس وساحق من قبل حلفاء ايران وقواتها في حال بدء الضربات الجوية لايران، فالبصرة هي النقطة الاقرب للحرس الثوري الايراني، ان لم تكن باتت فعلا تحت قبضته.
الرئيس بوش يواجه هزيمتين محققتين في افغانستان والعراق، ويعتقد ان المخرج الوحيد بالنسبة اليه هو المقامرة بتوجيه ضربة الي ايران تنقذ سمعته ورئاسته وحزبه الجمهوري الذي يقف علي بعد عام من الانتخابات الرئاسية.
الرئيس الامريكي يدرك جيدا ان الصواريخ الايرانية لن تصل الي نيويورك وميامي وواشنطن، وانما الي اسرائيل والرياض ودبي وابو ظبي والدوحة، ولذلك فان الهزيمة ليست مفاجئة، ولكن نجاح هذه المقامرة الدموية ربما يكون عجلة الانقاذ الوحيدة له من كل انتكاساته وهزائمه في المنطقة.
اللوبي الاسرائيلي الذي اغرقه في المستنقع الدموي العراقي، يحرضه بقوة، وبالاساليب نفسها، لضرب ايران، لان ايران النووية ستلغي التفوق الاستراتيجي، وستخلق ردعا نوويا مع الدولة العبرية، تماما مثلما هو الحال بين الهند وباكستان، وهذا يعني نهاية هذه الدولة او بداية النهاية علي الاقل.
الاعلام الامريكي، وامتداداته العربية والخليجية علي وجه الخصوص يستعد للقيام بدوره في التهيئة للحرب، وشيطنة ايران، بعد ان بدأ بشيطنة سورية وحماس وحزب الله، فهكذا كان الحال مع العراق، وهكذا سيكون الحال مع محور الشر الذي تستعد الادارة الامريكية لقصفه بآلتها العسكرية الجبارة ولكن الثمن الذي ستدفعه وحلفاؤها قد يكون كارثيا.