مرسوم انتخابي غير ديمقراطي

في ظل حالة الاستقطاب البشعة التي تعيشها الحياة السياسية الفلسطينية، بات من الصعب علي المرء اتخاذ اي موقف او توجيه اي انتقاد لممارسات هذا الطرف او ذاك، لان التهمة جاهزة، فاذا اعترضت علي سياسات سلطة الرئيس محمود عباس فأنت من انصار حماس ، واذا اعترضت علي تعدي القوة التنفيذية علي المتظاهرين في قطاع غزة، فأنت تدافع عن حركة فتح وبعض الفاسدين فيها.

خطورة الظرف الفلسطيني الراهن تحتم علي المرء ان يقول كلمته، وان لا يلتفت الي هذا الاتهام او ذاك، فالقضية الفلسطينية تعيش اسوأ ايامها، وتقف علي اعتاب مخططات تسوية تهدف الي التفريط بالثوابت، والرضوخ للاملاءات والشروط الاسرائيلية، مستغلة حال الانقسام الفلسطيني غير المسبوق.
بالامس اصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً بتعديل قانون الانتخاب الفلسطيني، يهدف الي استبعاد حركة حماس وكل حركات المقاومة الفلسطينية الاخري من المشاركة في العملية السياسية، باشتراطه الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وبوثيقة اعلان الاستقلال وبأحكام القانون السياسي.
وينص المرسوم الجديد علي ان يكون انتخاب اعضاء المجلس التشريعي في انتخابات عامة حرة بطريق الاقتراع السري علي اساس نظام التمثيل النسبي الكامل اي نظام القوائم بحيث تصبح المناطق المحتلة، الضفة وغزة، دائرة انتخابية واحدة، وليس مناصفة بين القوائم والانتخابات الفردية مثلما جري في الانتخابات الاخيرة التي استفادت منها حركة حماس بشكل كبير.
الاعتراض ليس علي تعديل قانون الانتخاب، وانما علي الكيفية التي جري من خلالها هذا التعديل، ومدي صلاحية الرئيس عباس لاصدار مثل هذا التعديل وفي مثل هذا التوقيت بالذات.
نظام التمثيل النسبي هو أحد الاشكال الديمقراطية المتبعة في اكثر من مكان في العالم، وخاصة في الدول التي توجد فيها احزاب واقليات صغيرة مثل الدولة العبرية. وحزب الاحرار البريطاني الذي يعتبر من اعرق الاحزاب واقدمها يضع هذا النظام علي قمة اجندته السياسية، ولكن الجمع بين هذا النظام والانتخابات الفردية مثلما جري في الانتخابات الفلسطينية الاخيرة هو افضل الصيغ واكثرها عدالة في التمثيل، لانه يجمع بين اهم عمليتين انتخابيتين مجربتين في اعرق الديمقراطيات في العالم.
المشكلة تكمن في تفرد الرئيس عباس بقرارات استراتيجية كهذه دون الرجوع الي الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية في الوطن والشتات، وتفصيل عملية سياسية علي مقاسه والمجموعة المحيطة به، واستبعاد كل رأي آخر يخالفه، ويعترض علي نهجه السياسي والتفاوضي.
اذا لم يكن ما يقدم عليه الرئيس عباس هو ديكتاتورية متسلطة، فهو بداية السير نحوها، الامر الذي يشكل اجهاضاً لأي توجه فلسطيني حقيقي نحو ديمقراطية فعلية، وينبئ بتحويل اي كيان فلسطيني مستقبلي الي جمهورية موز او نسخة سيئة للانظمة الديكتاتورية العربية.
فمرور مثل هذه المراسيم الرئاسية هكذا دون مراجعة او مناقشة من قبل ابناء الشعب الفلسطيني ومؤسساته، يمكن ان يشجع الرئيس عباس علي توقيع تسوية وفق الشروط الاسرائيلية تسقط حق العودة لأكثر من ستة ملايين فلسطيني، وتبقي الهيمنة الاسرائيلية علي القدس المحتلة. فنحن لا نعرف ماذا يبحث السيد عباس في الغرف المغلقة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، التي تقتصر عليهما وحدهما ودون وجود اي مساعدين.
حركة حماس ارتكبت اخطاء وتجاوزات بل وجرائم في قطاع غزة، اعترف بها السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي في مؤتمرات صحافية علنية، وكذلك السيد اسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، والاعتداء علي المصلين في الساحات العامة كان اكثرها سوءاً، ولكن هذا لا يعني استبعادها من العملية السياسية بهذه الطريقة، وهي التي فازت في انتخابات عامة، وفق قانون انتخابات وضعته سلطة عباس، بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
من حق حركة حماس او اي تنظيم فلسطيني آخر ان يرفض اعلان الاستقلال، وان لا يقبل بحل الدولتين، ففي اسرائيل احزاب، مثل حزب ليبرمان، تطالب بطرد العرب، وقصف السد العالي واغراق مصر وشعبها بمياه النيل، ومع ذلك تشارك مثل هذه الاحزاب في الحكومة والكنيست مع الفارق الكبير بينها وبين حركة حماس ، الحركة الوطنية التي كانت حتي قبل شهرين شريكا لحركة فتح في حكومة وسلطة وعملية سياسية.
ولا يجادل أحد في كون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ولكن عن اي منظمة تحرير نتحدث، هل نتحدث عن منظمة التحرير التي كانت تؤمن بتحرير فلسطين وتنحاز الي المعسكر المعادي لاسرائيل وامريكا، وتؤمن بالمقاومة المسلحة كطريق لبناء الدولة المستقلة وتتمسك بحق العودة والقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، ام بمنظمة التحرير الحالية المهلهلة الفاقدة للشرعية، والتي تتكون لجنتها التنفيذية من مجموعة من الامناء العامين لم تفز منظماتهم بمقعد واحد في المجلس التشريعي؟
منظمة التحرير ممكن ان تكون الممثل الشرعي الوحيد بعد اعادتها الي ثوابتها الوطنية، واعادة بناء مؤسساتها علي أسس جديدة تعكس القوي الحقيقية علي الارض. فكيف تكون ممثلاً للشعب الفلسطيني وهي لا تضم حركات مقاومة مثل حماس والجهاد وكتائب شهداء الاقصي، ولجان المقاومة الشعبية، التي تمثل اكثر من نصف الشعب الفلسطيني؟
مرسوم السيد عباس الرئاسي هذا يذكرنا بالمرسوم الذي اصدره الرئيس الراحل انور السادات بعد توقيعه اتفاقات كامب ديفيد عام 1979، حيث طرح وثيقة علي الشعب من اربعمئة صفحة اشترط فيها عدم اعتراض اي حزب يريد دخول الانتخابات علي هذه الاتفاقات، واعتبر الاستفتاء ونتائجه ملزمين للجميع.
لا نريد للرئيس عباس ان يسير علي نهج السادات، ولا ان يتبع نهجاً مماثلاً لنهجه، بل نريده رئيساً ممثلاً لجميع الفلسطينيين، ويرتقي الي وعيهم الفكري والسياسي. فعداؤه لحركة حماس و انقلابها في قطاع غزة، يجب ان لا يحوله الي اسير الاملاءات الاسرائيلية والامريكية، ويحول دون رؤيته للثوابت والمصالح الفلسطينية.
الديمقراطية التي يريدها الشعب الفلسطيني هي ديمقراطية وطنية، تستند الي تراثه النضالي، وتضحيات شهدائه، ديمقراطية تقوم علي الحوار والتفاهم وسعة الصدر، واتباع كل الطرق والوسائل من اجل تحقيق المصالحة الوطنية، وتوحيد قدرات الشعب الفلسطيني خلف هدف واحد وهو التحرير.
هذه المراسيم الرئاسية خطيرة في مضمونها وفي توقيتها، لانها غير ديمقراطية، ومشكوك في دستوريتها، علاوة علي كونها تكرس حال الانقسام الحالي الفلسطيني، وتدفع الي المزيد من المواجهات الدموية، وتحرف الانظار عن الورم السرطاني الحقيقي الذي ينخر الجسم الفلسطيني المتمثل في عمليات القتل الاسرائيلية اليومية، والحصار الخانق، والجدار العنصري، وعمليات الاستيطان التي تلتهم الارض والمقدسات.