الهزيمة تحققت.. والرحيل أزف

يوم امس نشرت صحيفة نيويورك تايمز اعلانا علي اربع صفحات تقول خلاصته ان تقرير ديفيد بترايوس قائد القوات الامريكية في العراق سيكون دعاية للبيت الابيض، ومضللا للشعب الامريكي، واضاف في عنوان كبير بارز بترايوس يخوننا .

بترايوس لم يخيب آمال ناشري هذا الاعلان، فقد جاء تقريره الذي ادلي به امام الكونغرس امس ليرسم صورة وردية حول الانجازات الامريكية في العراق، متحدثا عن انخفاض اعمال العنف الطائفي، وتحسن الاوضاع الامنية في بغداد وتراجع اعداد السيارات المفخخة، وزعزعة توازن تنظيم القاعدة ، وازدياد اعداد وكفاءة قوات الامن العراقية.
تقرير بترايوس كان نموذجا في ليّ عنق الحقائق وتضخيم انجازات صغيرة جدا، للتغطية علي الانتكاسات الضخمة، والدفاع عن مصداقية ادارة انخفضت الي الحضيض في اعين الغالبية الساحقة من الشعب الامريكي التي باتت تعتقد، وحسب استطلاعات الرأي، ان غزو العراق كان خطأ كارثيا.
قائد القوات الامريكية في العراق كان يتحدث وكأن قوات بلاده دخلت الي عراق يعيش حربا اهلية طائفية، وفوضي دموية، وانهيارا كاملا في الخدمات، ونسي ان كل هذه الكوارث التي يتحدث عنها، ويقول انها تقلصت هي من فعل الاحتلال والقوي الطائفية التي حكمت العراق بمساعدته ودعمه.
عمليات القتل الطائفي انخفضت فعلا في بغداد، هذا صحيح، ليس بسبب كفاءة القوات الامريكية، وقوات الامن العراقية المتعاونة معها، وانما لان عمليات التطهير الطائفي اعطت ثمارها، وحققت اهدافها، فلم يبق حي واحد مختلط في العاصمة العراقية، فقد اصبحت هناك مناطق سنية كاملة واخري شيعية صرفة، وانتهي زمن التعايش بين ابناء البلد الواحد الذي كان مفخرة له قبل الغزو الامريكي.
استراتيجية زيادة عدد القوات الامريكية في العراق التي ابتدعها الرئيس بوش في محاولة يائسة لانقاذ مشروعه الفاشل اعطت نتائج كاذبة وشكلية، فعندما ترسل ثلاثين الف جندي اضافي الي العاصمة، من الطبيعي ان ينجح هؤلاء في تخفيض العنف والسيارات المفخخة، ولكن داخل بعض احياء العاصمة، وعلي حساب مناطق عراقية اخري، لان العمليات العسكرية ضد القوات الامريكية والميليشيات الأمنية المتعاملة معها تضاعفت في هذه المناطق بعيدا عن اعين الصحافة ورجال الاعلام.
الرئيس بوش اراد بهذه الاستراتيجية شراء بعض الوقت له ولحليفه السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق، ومواجهة ضغوط الكونغرس والشعب الامريكي التي تطالب باعلان الهزيمة والانسحاب الكامل من العراق، ولم يكن غريبا ولا مفاجئا ان يذهب الرئيس بوش الي الانبار في زيارة مفاجئة للاجتماع مع بترايوس وبعض شيوخ القبائل العراقية الذين تم شراؤهم بالمال، لوضع الخطوط العريضة لهذا التقرير المضلل، واعطاء صورة كاذبة عن تحسن لا يراه احد غيره في هذا البلد المنكوب.
بترايوس يتحدث عن انخفاض الهجمات في الانبار من 315 عملية الي 200 عملية في الشهر، وكأنه انجاز كبير يستحق الفخر، وينسي ان مئتي عملية شهريا ما زال رقما ضخما بكل المقاييس، خاصة انها عمليات هجومية ضد اقوي جيش في العالم.
الشيء الايجابي الوحيد الذي ورد في تقرير بترايوس هو انه لم يقل ما يقوله ويردده الرئيس جورج بوش من ان النصر وشيك، واعترافه بان تنظيم القاعدة لم يهزم، وهذا يلخص حقيقة المحنة الامريكية في العراق الجديد .
اعطانا بترايوس احصاءات ورسوما بيانية قال انها دقيقة، جري عرضها بطريقة مؤثرة حول انخفاض عدد العمليات وزيادة اعداد قوات الامن العراقية، ولكنه لم يقدم لنا اي بيانات عن عدد القتلي من ابناء الشعب العراقي علي مدي السنوات الاربع الماضية، او عدد المهجرين الذين فروا بأرواحهم الي دول الجوار في سورية والأردن.
بترايوس لم يقل لنا، وللشعب الامريكي، عن حوالي مئتي الف قطعة سلاح امريكي باعها افراد الشرطة والامن، ولم يتطرق مطلقا لانقطاع الماء والكهرباء، وغياب الوقود، وطوابير السيارات التي تمتد لعدة كيلومترات امام محطاته. لم يعط اي ارقام حول البطالة المتفشية، والجرائم المسلحة المتفاقمة بفعل عصابات القتل والخطف والاغتصاب.
اما السفير ريان كروكر فقام بدوره في اعطاء صورة اكثر تضليلا للعملية السياسية في العراق، وقدم السيد المالكي الذي انتقده بالامس كمنقذ لا بديل عنه، فلم يتحدث عن فشله في تحقيق المصالحة الوطنية، ولا عن رعايته لفرق الموت والميليشيات الطائفية، واستقالة معظم وزرائه، بحيث اصبح رئيسا لحكومة صورية لا تحكم، تقاطعها معظم الكتل السياسية، بما في ذلك تلك الداعمة لها مثل التيار الصدري وحزب الفضيلة وجماعة اياد علاوي.
الرئيس بوش عندما ارسل قواته الي العراق جعل ابرز اهدافه تحقيق الامن والاستقرار والرخاء وتقديم بديل ديمقراطي يحتذي في المنطقة، والقضاء التام علي الارهاب، ووقف كالطاووس يوم سقوط بغداد ليعلن ان الحرب انتهت والمهمة انجزت.
ظهور زعيم تنظيم القاعدة في شريط يوم امس الاول في ابهي حلله، وحيا يرزق يقدم محاضرات للشعب الامريكي في كيفية انقاذ نفسه، والحرج الكبير الذي بدا علي وجه الجنرال بترايوس وهو يلقي تقريره ويجاهد بحثا عن كلمات يسوق فيها سياسة ادارة فاشلة، يلخصان بدقة محنة الادارة الحالية، والمأزق الخطير الذي تعيشه في العراق.
الغزو الامريكي لم يحقق اي تقدم علي الصعيد العسكري في العراق، وبالتالي لن يحقق اي تقدم سياسي مهما طال امد بقاء القوات الامريكية. انها لحظة الحقيقة التي يرفض الرئيس بوش الاعتراف بها، وهي ان الهزيمة قد تأكدت، وحان وقت الرحيل غير المشرف من العراق.