رهبان بورما وشيوخ المسيار

قدم الرهبان البوذيون في بورما درسا مشرفا في مواجهة الديكتاتورية العسكرية، عندما نزلوا الي الشوارع، حفاة شبه عراة، في تحد غير مسبوق لقوات امن قمعية لم تتردد في قتل ثلاثة منهم، احدهم بالرصاص، واثنان ضربا حتي الموت.
الرهبان البورميون معروفون في العالم كنموذج في التواضع والسكينة ورفض كل انواع العنف، وغالبا ما يعبرون عن معتقداتهم السلمية بالموسيقي وقرع الطبول، وارتداء قطعة برتقالية من القماش الرخيص علامة علي التواضع والتقشف والزهد.
هؤلاء ليسوا اهل كتاب، ولا يوجد اي ذكر في ديانتهم البوذية للعنف او الجهاد، او قول كلمة حق في وجه سلطان جائر، ومع ذلك قرروا ان ينحازوا الي جانب الشعب البورمي المسحوق، وان يخرجوا الي الشوارع للمطالبة بالاصلاح ووضع حد للممارسات القمعية والفساد المستشري في البلاد في ظل حكم طغمة عسكرية ديكتاتورية ظالمة.
اوضاع الشعوب العربية اسوأ كثيرا من اوضاع الشعب البورمي، فالانظمة الديكتاتورية العربية تغولت في القمع وارهاب المواطن، ومصادرة الحريات ونهب المال العام، والتنكيل بالمعارضين، ومع ذلك لا نري اي تحرك من رجال الدين الذين تزدحم بهم المساجد واماكن العبادة، والجامعات والمدارس وكل اوجه الحياة.
شاهدنا مظاهرات لسيدات يطالبن بحقهن في قيادة السيارة، بعضهن تعرضن للضرب والاعتقال والفصل من وظائفهن، وتشويه سمعتهن الشخصية، من خلال نهش اعراضهن، والتطاول عليهن واسرهن بكلام فاحش. ولكننا لم نشاهد مطلقا مظاهرة لرجال الدين تطالب بالاصلاح ووضع حد للفساد، واعتقال الآلاف في السجون، وتغييب القضاء العادل المستقل.
الرهبان البوذيون لم تتعرض معابدهم للتدنيس، ولم تتدخل السلطات الحاكمة في طريقة عبادتهم، ولم تقم الحواجز لمنع انصارهم من الصلاة، ومع ذلك نزلوا الي الشوارع يواجهون الرصاص القاتل بصدورهم العارية.
حكامنا ارتكبوا خطيئتين اساسيتين وعشرات الخطايا الاخري الاقل شأنا، الاولي انهم مارسوا القمع في اسوأ صوره، وعاثوا في بلداننا فسادا، والثانية صمتهم بل تواطؤهم في عمليات الاذلال التي تتعرض لها امتنا في العراق وفلسطين. ومع ذلك ينبري رهط من وعاظ السلاطين للدفاع عنهم باصدار الفتاوي التي تبرر فسادهم وديكتاتوريتهم واستئثارهم بالسلطة، ومعاملة الشعوب وكأنها عبيد لهم ولنسلهم.
الرهبان البوذيون الكفرة في عرف هؤلاء ثاروا علي الظلم والقمع، ووعاظ السلاطين في بلادنا ينافقون الحكام الديكتاتوريين ليل نهار، ويتحالفون معهم في حرف النشئ عن الممارسة الحقيقية لتعاليم عقيدتهم في التصدي للظلم ونصرة المستضعفين وتحرير المقدسات.
عندما تسألهم لماذا تقفون في خندق الحكام الفاسدين تبررون فحشهم وتسترون عوراتهم بالفتاوي، يردون بالقول ان طاعة اولي الامر واجبة، ويلحقون ذلك بفتوي عدم جواز الخروج علي الحاكم الا اذا ثبت كفره.
طاعة الحاكم واجبة ولكن عندما يكون سيدنا عمر بن الخطاب، او سيدنا علي بن ابي طالب، لكن طاعة حكام طغاة تقاعسوا عن القيام بواجباتهم في حماية المقدسات ونشر العدل بين الرعية، والانتصار للحق، ونصرة اشقاء تحت الاحتلال فهذا هو قمة النفاق.
الامم تفسد وتتخلف عندما تفسد قياداتها الدينية، وتنحرف عن مهامها في تقديم المثل والنموذج في التضحية والفداء، والتصدي للحكام الظلمة المفسدين في الارض، المتواطئين مع الاعداء، المتقاعسين عن القيام بالحد الادني من واجباتهم في الدعوة الي الاصلاح، ورفع المظالم، وتربية النشئ تربية صالحة علي اسس الشهامة والكرامة وعزة النفس ومقاومة الاحتلال والمحتلين وتقويم مظاهر الاعوجاج في المجتمع.
من المؤسف ان الشغل الشاغل لمعظم علمائنا الذين يملأون الفضائيات حاليا هو الحديث في امور ثانوية تبتعد عن جوهر تخلف امة الاسلام والمسلمين، واسباب استهدافهم بحروب مدمرة دون غيرهم من الامم. ولولا الحياء لاعتبروا الجهاد في فلسطين والعراق في مواجهة الاحتلال ارهابا وخروجا علي طاعة ولي اولياء الامر الذي هو امريكا.
الرهبان البوذيون الكفرة لم ينشغلوا بزواج المسيار، وموائد رحمان الراقصات، ولم يتوقفوا كثيرا عند نواقض الوضوء علي اهميتها، ونزلوا الي الشوارع في مسيرات جهادية، وهم الذين لم يعرفوا الاسلام وتعاليمه وربما لم يسمعوا بها.
جميع شعوب الارض تتحرك، تتظاهر، تنتفض، وتقدم التضحيات من اجل تغيير مجتمعاتها نحو الافضل، وتكريس حقوق المواطنين في الحريات والمشاركة في السلطة وصياغة حاضرهم ومستقبل اجيالهم الا شعوبنا العربية، والسبب هو وعاظ السلاطين وفتاواهم التخديرية التي تركز علي الهوامش والتفاصيل الصغيرة، وتبتعد عن القضايا الجوهرية.
علماء الدين كانوا يتصدرون المظاهرات واعمال المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي والانكليزي، الآن تحولوا الي ادوات في يد الحاكم، يستقبل بعض كبارهم المسؤولين الاسرائيليين، ويبرر التطبيع، ويبيح المحظورات، ويشرع القتال ضد بلد عربي مسلم شقيق ويقف الي جانب القوات الامريكية حرصا علي منصبه، وطمعا في منحة من حاكم ظالم فاسد.
علينا ان نعترف اننا امة مريضة بمرض عضال أحد ابرز اسبابه وعاظ السلاطين، وشيوخ المسيار، الذين يلعبون دورا كبيرا في تجهيل الاجيال الحالية والمستقبلية حتي تظل هذه الامة في سبات اهل الكهف ولأطول فترة ممكنة.
فعندما يطفح كيل رهبان بورما المسالمين انتصارا لشعبهم الذي لا يواجه ربع القمع والفساد الذي تواجهه شعوبنا علي ايدي حكامها الظلمة، ولا يطفح كيل علمائنا ورجال ديننا، فهذا ابرز تشخيص للورم السرطاني الكبير الذي ينتشر في خلايا هذه الامة.
نتمني ارسال بعثات الي بورما لكي يتعلم ابناؤنا من رهبانها وشعبها معاني الثورة علي الظلم والقمع والديكتاتورية، وكيفية عدم التردد في قول كلمة حق في وجه سلاطين جائرين.