عباس اولمرت: القمة السادسة

للمرة السادسة، وفي اقل من ستة اشهر، يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس نظيره الاسرائيلي ايهود اولمرت في مقر الاخير في القدس المحتلة في محاولة لصياغة اعلان مشترك يسبق الاجتماع الدولي الذي دعا الرئيس جورج دبليو بوش لعقده في منتصف شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
لا احد يعرف بالضبط ماذا يبحث الرجلان فعليا في اجتماعاتهما العلنية او المغلقة التي تقتصر عليهما فقط، وتمتد لعدة ساعات. اولمرت محكوم بمرجعيات حزبية وبرلمانية مضطر للجوء اليها، والاحتكام لقراراتها، ولكن لا مرجعيات يعود اليها الرئيس عباس، فالمجلس التشريعي معطل، والمجلس الوطني مجمد، واللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية منتهية الصلاحية، ولا تمثل القوي الفلسطينية الحقيقية والفاعلة علي الارض.
بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود الاسرائيلي المعارض قال ان اولمرت اتصل به واطلعه مسبقا علي خططه بشن غارات جوية في العمق السوري لضرب مواقع عسكرية قال انها تتضمن اجهزة نووية تم استيرادها من كوريا الشمالية. فالتقاليد الديمقراطية والسياسية الاسرائيلية تقتضي ان يتشاور رئيس الوزراء مع زعيم المعارضة في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالمصالح الامنية والاستراتيجية العليا للدولة وشعبها، وهذا ما حدث.
لا نعتقد ان الرئيس الفلسطيني عباس، وهو يبحث مع اولمرت قضايا استراتيجية تتعلق بالحل النهائي، مثل المستوطنات والقدس المحتلة واللاجئين، سيرفع سماعة الهاتف، ويبادر بالاتصال بالسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس او بالسيد اسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية في مقره بقطاع غزة، لاطلاعهما علي نتائج مباحثاته مع اولمرت في الجولات الخمس السابقة، ويطلب رأيهما تجاه بعض القضايا المطروحة علي جدول البحث، وكيفية تشكيل الوفد الذي سيمثل فلسطين في مؤتمر الخريف المقبل في واشنطن.
فالرئيس عباس يتصرف وكأنه مخول من عشرة ملايين فلسطيني، في الوطن والشتات، ويملك تفويضا مفتوحا للبت في قضايا تتعلق بمصيرهم. وبالطريقة نفسها يتصرف مجموعة من المحيطين به، وتعمل في مكتب رئاسته في مدينة رام الله.
الفلسطينيون لم يخولوا الرئيس عباس، لانه لم يطلب منهم مثل هذا التخويل، ولم يرجع لاي من مؤسساتهم الشرعية المنتخبة (المجلس التشريعي) او مرجعياتهم التاريخية (المجلس الوطني)، فالرجل بات فوق كل المرجعيات، ويتصرف بطريقة فردية مطلقة، ناسيا انه منتخب من اقل من ربع الشعب الفلسطيني، وباصوات ستين في المئة من هذا الربع فقط.
ومن المؤلم ان هذا التفرد في القرار لم يتمخض حتي الآن عن اي نتائج تقوي موقع الرئيس عباس، وتبرر تفرده بالقرار، فعندما بدأ هذه اللقاءات قال انها تهدف الي تخفيف معاناة اهل الارض المحتلة، من حيث ازالة الحواجز التي تحول حياتهم الي جحيم، والافراج عن اكبر عدد ممكن من الاسري في سجون الاحتلال.
بعد خمسة اجتماعات قمة مع ايهود اولمرت، ارتفع عدد الحواجز في الضفة الغربية من 525 حاجزا الي 575 حاجزا، ولم يتم الافراج الا عن بضع مئات من الاسري معظمهم اوشكت فترة اعتقالهم علي الانتهاء.
الرئيس عباس قال في بداية هذه اللقاءات انه لا يريد اعلان مبادئ ، وانما اتفاق اطار ، يحدد بوضوح الحلول الحاسمة لقضايا الحل النهائي، علي ان يتم ترك التفاصيل للمفاوضات بين وفود الطرفين المتخصصة، فالرئيس عباس الذي هندس اتفاقات اوسلو بات يشعر بعقدة نفسية تجاه اي اعلان للمبادئ ، ولا يريد تكرار هذه التجربة السيئة مرة اخري حسبما يقول احد المقربين منه في جلسات خاصة.
من الواضح ان الرئيس عباس لن يحصل لا علي اتفاق مبادئ ، ولا علي اتفاق اطار ، وانما علي اعلان مشترك يتسم بالغموض في افضل الاحوال، لان شريكه و صديقه اولمرت لا يريد ان يلزم نفسه بأي شيء تجاه القضايا الحساسة قبل انعقاد مؤتمر السلام.
الاعلان المشترك الذي يريده اولمرت وسيتمكن في النهاية من فرضه علي نظيره الفلسطيني في العرف القانوني لا يتمتع بصفة الإلزام، ولا يزيد عن كونه بيانا صحافيا يحدد مواقف الطرفين، او كل طرف علي حدة، تجاه القضايا موضع البحث.
السؤال هو حول اسباب قبول الرئيس عباس بمثل هذه الاهانة، وبعد كل هذه الاجتماعات واللقاءات، المفتوحة والمغلقة، وهي لقاءات اعطت انطباعا مغلوطا للرأي العام العالمي يقدم الدولة العبرية ورئيس وزرائها علي انهما محبان للسلام ساعيان للتوصل اليه بحماس غير معهود، بينما المشكلة هي في الطرف الفلسطيني الذي لا يبدي المرونة المطلوبة.
بعض المقربين من الرئيس عباس سربوا انباء عن عزمه وقف مهزلة هذه اللقاءات في اعقاب الاجتماع الاخير، لانها باتت مضيعة للوقت والجهد، الامر الذي اثلج صدورنا، وجعلنا نعتقد ان الرئيس عباس ليس بالرئيس الضعيف الذي نعتقد، وانه بصدد الإقدام علي وقفة عز يثبت من خلالها معدنه القوي، ولكن سرعان ما خاب املنا عندما عاد من نيويورك متحمسا ومتشوقا للقاء اولمرت، حتي انه لم ينتظر يومين للراحة والتقاط الانفاس والتخلص من وعثاء السفر الطويل علاوة علي فارق التوقيت واعراضه المرهقة بدنيا ونفسيا.
من المؤكد ان الرئيس الامريكي اعطي تعليماته للرئيس الفلسطيني بالاستمرار في اللقاءات مع اولمرت، ووضع مسألة الصيام في شهر رمضان، ومعانيه الروحانية جانبا، والا ما معني هذا الاستعجال لمثل هذا اللقاء وكأن القيامة ستقوم في اليوم التالي.
نضع ايدينا علي قلوبنا في كل مرة يلتقي فيها الرئيس عباس نظيره اولمرت خلف ابواب مغلقة تقتصر عليهما فقط، لاننا نخشي ان ما يقال في الخارج حول طبيعة سيرها هو مجرد تضليل. فالرئيس عباس فاجأنا باتفاق اوسلو، ولن يكون غريبا اذا ما فاجأنا باتفاق مثله او ربما اسوأ منه، فقد اكد اكثر من مرة كان آخرها في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك، بان التوصل الي معاهدة سلام نهائي مع اسرائيل امر ممكن بعد ستة اشهر من اجتماع مؤتمر السلام الدولي.
هناك احتمالان لا ثالث لهما، فإما ان تكون صيغة هذه المعاهدة قد تمت في الاجتماعات المغلقة، وبقيت بعض الرتوش، واما ان يكون الرئيس عباس قرر، وبايعاز من الدول العربية المعتدلة ، ان يعطي الرئيس بوش ستة اشهر يستطيع خلالها حسم ملفات اللاسلم واللاحرب في المنطقة مثل الملف النووي الايراني، وملف حماس في غزة، وملف حزب الله في جنوب لبنان.
الاحتمال الثاني ربما يكون هو الارجح، ففي كل مرة تخطط فيها الادارة الامريكية لحرب في المنطقة تستخدم مؤتمرات السلام العربية ـ الاسرائيلية كغطاء، وبعد ان تنتهي الحرب تعود الامور الي حالها وربما الي وضع اسوأ من السابق. هذا ما حدث بعد تدمير العراق في المرة الاولي عام 1991، وفي المرة الثانية عام 2003، وبعد اعلان الحرب علي الارهاب بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وعملية الضحك علي ذقون العرب مستمرة.