باكستان: فشل جديد لبوش

حلفاء امريكا في العالم الاسلامي يتعلقون بالسلطة بخيوط عنكبوتية واهية، فحميد كرزاي بات مجرد رئيس مجلس بلدي لجزء من العاصمة الافغانية كابول، والسيد نوري المالكي بات رئيسا لوزارة بدون وزراء في العراق، والجنرال برويز مشرف انقلب علي نفسه، ويواجه غضبة شعبية في باكستان وسط اجماع المراقبين علي بدء العد التنازلي لسقوط نظامه.

ولعل ما يجري في باكستان هذه الايام هو الامتحان الاخطر للادارة الامريكية، لان نظام الرئيس مشرف الدكتاتوري في باكستان هو محور حربها علي الارهاب، وسقوط نظامه يعني انهيار هذه الحرب، والاعتراف رسميا بالهزيمة فيها.
فمنذ انقلابه عام 2001 الذي جاء في ظروف غامضة، استخدم الجنرال مشرف التهديد الارهابي لحصد التأييد الغربي، والامريكي علي وجه التحديد، لنظامه، ومن المؤسف ان هذا النهج الابتزازي اعطي ثماره، لان الغرب فضل خدمات مشرف في مكافحة الارهاب علي الدفع باتجاه الديمقراطية والحريات المنبثقة عنها.
الجنرال مشرف استخدم الذريعة نفسها في تبرير انقلابه الاخير الذي تمثل في اعلان حالة الطوارئ، وتعليق العمل بالدستور واعلان الاحكام العرفية، عندما قال ان البلاد تنزلق نحو الارهاب والفوضي والسقوط في يد الجماعات المتطرفة، ولهذا قرر انزال الجيش الي الشوارع لإنقاذها من هذا المصير المؤلم.
باكستان انزلقت الي الفوضي بسبب الحكم الدكتاتوري العسكري، وتحويل البلاد الي قاعدة عسكرية واستخباراتية في خدمة الولايات المتحدة الامريكية وحربها في افغانستان وباقي دول العالم الاسلامي، مقابل حفنة من المساعدات المالية المهينة.
الولايات المتحدة انفقت حتي الآن اكثر من ستمئة مليار دولار في حربها ضد الارهاب، لم يكن نصيب باكستان منها غير مساعدات مالية في حدود عشرة مليارات دولار، تذهب في معظمها الي الشركات الامريكية التي تتولي جني العطاءات والمشاريع التي تنفق فيها. اما البقية فتذهب الي جيوب الفاسدين من الحاشية المحيطة بالجنرال مشرف.
الخلل الاكبر الذي يتسبب في فشل السياسات والحروب الامريكية في العالم الاسلامي، يتمثل في حفنة من السياسيين الامريكيين الذين يقدمون الاستقرار في ظل انظمة دكتاتورية علي ديمقراطية توسع دائرة المشاركة في الحكم امام مختلف شرائح المجتمع في ظل تعددية سياسية حقيقية.
هذه السياسات قصيرة النظر هي التي شجعت التطرف، ووسعت دائرتي العنف والارهاب، وعمقت من حجم الكراهية للولايات المتحدة خاصة والغرب عامة في معظم دول العالم الاسلامي، ووصولها الي درجة مستعصية علي الاصلاح. فأكبر سلاح في وجه التطرف هو وجود حكومة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع في انتخابات حرة في ظل حكم القانون والقضاء المستقل، والمؤسسات الدستورية، واقصي درجات الشفافية والحريات العامة والشخصية.
الرئيس مشرف لم يتمتع الا بحوالي عشرين في المئة من تأييد الشعب الباكستاني، اي اقل من نصف ما حصل عليه الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في استطلاعات الرأي نفسها، ومع ذلك ظل يحظي بتأييد ادارة الرئيس بوش ودعمها.
وعندما ارادت هذه الادارة تحسين وجه النظام العسكري البشع في باكستان، اجبرت الجنرال مشرف علي الدخول في صفقة مع السيدة بنازير بوتو لتقاسمه الحكم، والحرب علي الجماعات المتطرفة، فجاءت النتائج كارثية تماما، لان زواج المتعة هذا بين السيدة بوتو ونظام الجنرال مشرف لا يمكن ان ينجب غير الفوضي والسخط الشعبي.
فمشرف يكره السيدة بوتو اكثر مما يكره زعيم تنظيم القاعدة وحليفه الملا عمر. ولهذا تمرد علي السيد الامريكي، واعلن الاحكام العرفية للتخلص من شروطه واملاءاته، فجاءت النتائج كارثية علي الجميع، عليه اولا، والسيدة بوتو ثانيا، والعراب الامريكي علي وجه الخصوص ثالثا.
السيدة بوتو ظهرت في اعين الباكستانيين بمظهر الشخصية الانتهازية العائدة الي باكستان عبر صفقة امريكية، للدخول في شراكة سياسية مع نظام عسكري طالما اشترطت سقوطه قبل العودة الي البلاد.
حسنة السيدة بوتو الوحيدة في نظر الامريكان ليست مؤهلاتها الديمقراطية، وانما كراهيتها لدرجة الحقد للاصوليين الاسلاميين، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، ولهذا وقع عليها الاختيار لاصلاح وجه النظام العسكري الدكتاتوري في باكستان لاطالة عمره ريثما يتحقق بعض النجاح في ميادين المعارك في افغانستان ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان .
صيغة الانقاذ الامريكية لنظام مشرف لن تنجح في باكستان، لان مثيلاتها لم تنجح في العراق وافغانستان رغم الخسائر البشرية والمادية الامريكية الضخمة في البلدين، والدعم الغربي والعالمي غير المحدود للحرب فيهما.
مصير باكستان هو المصير نفسه الذي واجهته كل من افغانستان والعراق، اي فوضي دموية تؤدي الي دولة فاشلة وحروب اهلية طائفية او عرقية، تنتهي بتقسيم البلاد للمرة الثانية مثلما جري تقسيمها في المرة الاولي بسلخ بنغلادش في سابقة مخجلة للمسلمين في شبه القارة الهندية.
توقيت الأزمة الباكستانية يأتي في وقت شديد الحراجة لادارة الرئيس بوش، ليس فقط بسبب تفاقم ازماتها في العراق وافغانستان، وانما لتصاعد احتمالات اللجوء الي الخيار العسكري للتعامل مع أخطار المفاعل النووي الايراني المتنامية.
فالادارة الامريكية باتت امام ازمتين نوويتين، الاولي في باكستان تتمثل في احتمال وقوع اسلحة وخبرات نووية باكستانية موجودة فعلا في ايدي جماعات متطرفة، والثانية في ايران، حيث بات برنامجها النووي علي وشك تخصيب كميات من اليورانيوم تكفي لصنع قنبلة نووية في غضون ثلاثة اعوام علي الاكثر.
الخروج من الأزمة الباكستانية امر ممكن ولكنه ليس سهلا، واول خطوة في هذا الاتجاه هي انهاء حالة الطوارئ فورا، وتخلي الرئيس مشرف عن لباسه العسكري، والعودة الي الديمقراطية من خلال انتخابات عامة نزيهة، تشارك فيها جميع الاحزاب الباكستانية بما في ذلك حزب السيد نواز شريف، في ظل قضاء عادل مستقل.
اما الخروج من الأزمة النووية الايرانية فاكثر صعوبة، لان الادارة الامريكية لا يمكن ان تقبل بايران عضوا في النادي النووي، ولان النظام الايراني لا يمكن ان يتخلي عن طموحاته النووية بعد ان اوشك علي قطف ثمارها. ولذلك باتت المواجهة شبه مؤكدة.
الخرق بات اكبر من قدرات الراقع الامريكي، والاشهر الثمانية المقبلة هي الاخطر علي المنطقة منذ الحرب العالمية الاولي، ومثلما انتهت تلك الحرب بنهاية الامبراطورية العثمانية قد تنتهي الثانية بنهاية الامبراطورية الامريكية وكل الدكتاتوريات العربية والاسلامية التي تعتاش علي مساعداتها المالية او حمايتها العسكرية.