رسالة النصيحة لـ فتح و حماس

يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس اليوم في القدس المحتلة نظيره الاسرائيلي ايهود اولمرت في قمة هي الثامنة قبل انعقاد مؤتمر انابوليس للسلام في ميريلاند وبهدف انقاذ مفاوضات متعثرة لوضع وثيقة تشكل اطارا يحدد مسار العملية السلمية التي من المفترض ان تنطلق بعد المؤتمر.

ما هو بحاجة الي انقاذ حقيقي هو الوضع الداخلي الفلسطيني، والمفاوضات المطلوبة، وبإلحاح، هي بين ابناء القضية الواحدة، والقمة المنتظرة والاكثر اهمية، يجب ان تكون بين قيادتي فتح و حماس وتحت مظلة عربية، لإنهاء حالة التشرذم الحالية، وترتيب البيت الداخلي الفلسطيني قبل فوات الأوان. فكلما طال امد الأزمة الحالية كلما اصبحت شروط الحل اكثر صعوبة.
الشرخ يتسع يوما بعد يوم والانقسام يتكرس بين قطاع غزة والضفة الغربية، وجاءت احداث الاسبوع المنصرم الدموية التي سقط فيها ثمانية ابرياء كانوا يحتفلون بالذكري الثالثة لاستشهاد زعيمهم ياسر عرفات برصاص القوة التنفيذية التابعة لحماس في غزة لتضيف تعقيدات اضافية للاوضاع المتأزمة اصلا.
يخطئ الرئيس عباس اذا اعتقد انه يستطيع ان يتوصل الي حل دائم مع الاسرائيليين في ظل حال الانقسام الحالي، ويخطئ اكثر اذا اعتقد انه تخلص من عبء قطاع غزة، وحركة حماس والديمقراطية الفلسطينية التي جاءت بها الي السلطة. فحتي لو اظهر الاسرائيليون كل مرونة ممكنة، وهذا موضع شك الجميع، وقدموا له كل التنازلات التي يريدها، وتجاوبوا مع جميع طلباته، فانه لن يستطيع تسويق اي حل او تسوية يتوصل اليها معهم، لانه ليس ياسر عرفات اولا، ولا يملك تفويضا من كل او اغلبية، الشعب الفلسطيني ثانيا.
الرئيس عباس لا يجب ان يذهب الي مؤتمر السلام اصلا في ظل الشروط الاسرائيلية التعجيزية، وآخرها الاعتراف مسبقا بيهودية الدولة العبرية، مما يعني الغاء حق العودة، واسقاط الشرعية عن مليون ومئتي الف فلسطيني داخل الخط الاخضر، واذا كان لا بد من الذهاب اليه، فليكن عن طريق غزة، وليس عن طريق عمان او تل ابيب او القاهرة.
يستطيع الرئيس عباس، لو اراد، ان يجد حلا للأزمة الحالية، بالتراجع عن شروطه التي يكررها دائما للهروب من استحقاق المصالحة، اي عودة الامور الي ما كانت عليه قبل انقلاب حركة حماس العسكري. وهي شروط لمنع الحل وليس لتسهيل الوصول اليه. لان السيد عباس نفسه لا يمكن ان يقبل بالوضع الذي سبق الانقلاب، مثل العودة الي اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عنه وانبثقت عن وثيقة الأسري او الحوار الوطني.
النية الطيبة بالمصالحة ليست موجودة عند السيد عباس، والمرونة والتصرف المسؤول والرؤية الواضحة غائبة تماما للاسف عن حركة حماس وقيادتها، وخاصة بعض اولئك الموجودين في غزة، ولهذا يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من دماء ابنائه وتطلعاتهم في التحرير والعودة، واستعادة المقدسات.
ممارسات حركة حماس الاخيرة تجاه مهرجان غزة، باتت تجعلنا، والملايين من ابناء الشعب الفلسطيني، ونضع ايدينا علي قلوبنا خوفا وقلقا.
الشعب الفلسطيني انتخب حركة حماس واعطاها اغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني لانه يثق بنظافتها، وسلامة توجهاتها، وزهد قادتها بالسلطة، وتمسكهم بالثوابت الوطنية، ومن اجل تخفيف معاناته تحت الاحتلال، ومواصلة المقاومة. وكان من المفترض ان تدرك قيادة حماس في الداخل والخارج، خطورة المصيدة التي انجرت اليها بأعين مفتوحة، بحيث اصبحت متورطة في سلطة موبوءة، محاصرة عربيا ودوليا، وتواجه التآمر من قبل البعض الفلسطيني المرتبط بالمشروعين الامريكي والاسرائيلي، وتزيد من مصاعب الفلسطينيين.
كنا نتمني لو ان حماس لم تدخل الانتخابات علي اساس اتفاقات اوسلو التي رفضتها محقة، وكان عليها ان تظل في المجلس التشريعي تراقب السلطة التنفيذية، طالما اصرت علي دخولها، وتجعل من نفسها سدا في وجه اي تنازل عن الثوابت الفلسطينية، وسندا للمقاومة بكل اشكالها واتجاهاتها وايديولوجياتها.
نعترف اننا صعقنا من بعض التصريحات التي اطلقها بعض قادة حماس في غزة وقالوا فيها انهم سيستولون علي الضفة الغربية بعد انسحاب اسرائيل منها، وسيصلون في المقاطعة بعد ان يدخلوها منتصرين، وهي تصريحات لم تكن موفقة علي الاطلاق، وغير مبررة، وتعكس عقلية تقطع جسورا، وتريد تعميق الأزمة، وتوفير الذرائع لمن يريدون ضرب حماس نفسها وتشديد الحصار علي الشعب الفلسطيني.
وما آلمنا اكثر، اطلاق النار، بهدف القتل، من قبل افراد في القوة التنفيذية علي محتفلين ابرياء، الأمر الذي القي بظلال الشك علي طهارة هذه القوات، ووضعها في نظر الكثيرين في الخانة نفسها التي احتلتها اجهزة امنية كانت تابعة لقيادات طالما اتهمتها حركة حماس بالفساد وتنفيذ مشاريع دايتون في قطاع غزة والضفة الغربية.
حركة حماس جري استدراجها الي مخطط جهنمي في محاولة لضرب علاقتها مع الشعب الفلسطيني، ومع قاعدتها العريضة، ليس في فلسطين فقط، وانما في العالمين العربي والاسلامي، حتي ان الشعب الفلسطيني او قطاعات منه، باتت تخاف من حركة حماس بعد ان كانت تخاف عليها من مؤامرات المتآمرين.
ندرك جيدا ان كل الصعوبات الحالية التي يواجهها ابناء قطاع غزة من تجويع وحصار تأتي في اطار مخطط اسرائيلي ـ امريكي ـ فلسطيني لإفشال تجربة حماس في السلطة، ودفع الشعب الفلسطيني للانقلاب عليها، وهو ما لم يحصل، ونعتقد انه لن يحصل، لان هذا الشعب علي درجة كبيرة من الوعي بحيث لا تنطلي عليه هذه المؤامرة. فعندما يري هذا الشعب مندوبا يقول انه يمثله يتقدم بمشاريع قرارات الي الامم المتحدة تجرم المقاومة، وتعتبرها حركات خارجة علي القانون، اي ارهابية، ويتصدي لقرار عربي يعتبر ان قطاع غزة منطقة منكوبة تستحق الدعم العالمي، ثم يتبني تلفزيون فلسطين التابع لرام الله هذه المواقف، ويعتبر المقاومة خارجة علي القانون في شريطه الإخباري، فان هذا الشعب سيدرك من هو مع الثوابت الوطنية ومن هو ضدها.
نحن الآن نعيش حالة ثأرية مؤسفة، كل طرف يتربص بالآخر، في ظل تحريض اعلامي مرضي مرعب، ومن يتابع تلفزيوني رام الله وغزة، يعتقد ان حماس هي التي اغتصبت فلسطين، او ان فتح هي التي استولت علي الاقصي وشردت الشعب الفلسطيني واقامت المستوطنات وقتلت الآلاف.
لا نريد القاء المواعظ، والتذكير بالبديهيات، ولكن لا بد من ايجاد مخرج من هذا المأزق الكارثي، ولتكن الخطوة الاولي دعوة عربية للقاء في القاهرة، تحت مظلة الجامعة العربية، بين وفدي حماس و فتح وفرض وقف فوري للحملات الاعلامية، وفرض وضع وثيقة مصالحة تنص علي تشكيل حكومة انتقالية محايدة يوافق عليها الطرفان، تضم شخصيات وطنية نظيفة، تكون اولي مهامها اعادة بناء الاجهزة الامنية علي اسس مهنية ليست تابعة لأي تنظيم.
من يرفض هذه الدعوة في حال صدورها، هو الذي يجب ان يدان، ويصنف في خانة من يريدون استمرار الأزمة لمصلحة اسرائيل والولايات المتحدة، وعليه ان يتحمل نتائج مقاطعته لهذه الخطوة امام التاريخ والشعب الفلسطيني والأمتين العربية والاسلامية.