القمة الخليجية: الهواجس نفسها

بعد ستة وعشرين عاما منذ انشائه، ما زال مجلس التعاون الخليجي يناقش القضايا نفسها، ويواجه المخاوف نفسها، الشيء الوحيد الذي تغير هو غياب بعض الملوك والامراء بسبب الوفاة او الانقلاب السلمي، ومجيء قيادات جديدة شابة بفكر مختلف، وطموحات وحدوية اقل.

من المفارقة ان الهاجس الايراني الذي كان سببا مباشرا في تأسيس المجلس عام 1981، سواء بشقه المتعلق بوصول ثورة الامام الخميني الي السلطة، او الآخر المتمثل في الحرب العراقية ـ الايرانية، ما زال يخيم علي قاعة الاجتماعات، وربما بصورة اكثر خطورة من اي يوم مضي. وليس صدفة ان يكون الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد احد ابرز المدعوين، ولن نبالغ اذا قلنا ان حضوره هو الحدث الاهم فيها، حيث سيكون نجمها دون منازع، وسيخطف الاضواء من معظم الحاضرين.
المنطقة تركض بسرعة نحو حرب جديدة، ومثلما كانت قمة مجلس التعاون في الدوحة في كانون الاول (ديسمبر) عام 1990 مقدمة للتمهيد لحرب عربية ـ امريكية بتمويل خليجي لـ تحرير الكويت وتدمير العراق، ووضعه في قفص الحصار لاكثر من ثلاثة عشر عاما، فان القمة التي ستلتئم اليوم قد تكون مقدمة لحرب امريكية ـ عربية ـ اسرائيلية لتدمير ايران، تحت غطاء انهاء برنامجها النووي.
دور دول الخليج في الحرب الاولي علي العراق كان استضافة نصف مليون جندي امريكي بدروعهم وطائراتهم واساطيلهم، ودفع النفقات كاملة، وتحمل الحد الادني من الخسائر البشرية، والحد الاقصي من المكاسب السياسية . فقد جري اخراج القوات العراقية من الكويت، وتقليم اظافر النظام العراقي وخلع انيابه، وهي مكاسب لا نعتقد ان قادة المجلس يرونها كذلك الآن في ظل انهيار الاوضاع في العراق، ومخاوفهم المتصاعدة من ايران.
دول الخليج في الحرب الجديدة، اذا ما اندلعت، ستكون الخاسر الاكبر، لان اي رد ايراني انتقامي سيكون موجها اليها بالدرجة الاولي بعد اسرائيل، اذا استطاعت ايران الي ذلك سبيلا، حيث القواعد الامريكية وآبار النفط ومضيق هرمز، والاخطر من ذلك احتمال تلوث مياه الخليج جراء اي تسرب نووي، ايراني او امريكي، مما يعني ان شعوب المنطقة التي تعتمد بنسبة تسعين في المئة من مياه شربها علي تحلية مياه الخليج ستواجه عطشا قاتلا.
الاخطار الداخلية ايضا تتفاقم، فباستثناء انجاز اتفاقيات اقتصادية محدودة مثل الوحدة الجمركية، ما زالت قضايا الامن الموحد، والدفاع المشترك، والتركيبة السكانية مجرد بنود تُرحّل من قمة الي اخري، دون تحقيق اي تقدم علي صعيدها.
بعد ربع قرن من تأسيس المجلس ما زالت الوحدة الخليجية، التي كانت طموح ابناء المنطقة، حلما بعيد المنال، فلا جواز سفر موحد، ولا عملة خليجية موحدة، ولا جيشا خليجيا موحدا. وحتي مسألة فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار المتضعضع موضع خلاف حاد بين الدول الاعضاء.
فالمنافسة لم تعد بين دول الخليج نفسها، وانما امتدت الي داخل الدول واماراتها. فشركة طيران الخليج التي كانت نموذجا للهوية الخليجية الموحدة، اصبحت ارثا من الماضي، فكل دولة، بل كل امارة خليجية اصبح لها شركة طيران، ومطار دولي، رغم ان بعض هذه المطارات لا يفصل بينها الا بضعة كيلومترات. مما يؤكد غياب التنسيق، بل انعدامه في زمن تندمج فيه شركات الطيران وتتبخر الحدود.
وليت الامر يقتصر علي شركات الطيران والمطارات، فكل امارة خليجية اصبح لها مهرجان للسينما، رغم انها ليس لها اي باع في هذا المضمار، ومعرض للكتاب، وآخر للسلاح، ورابع للطيران ولا تنسي المناطق الاعلامية الحرة التي ليس لها من الحرية غير اسمها فقط، وهكذا.
ولعل قضية التركيبة السكانية والخلل المزمن فيها هي ام القضايا الخليجية، فجميع الدول الخليجية ودون استثناء، شكلت لجانا لدراسة هذه المشكلة وايجاد حلول لها، وعينت احد وزراء الاسرة الحاكمة رئيسا لها، ومع ذلك ما زالت، ورغم هذه اللجان وخبرائها، علي حالها بل تزداد تفاقما.
فنسبة الاجانب في الكويت التي طردت اربعمئة فلسطيني لتعديل هذه التركيبة، تبلغ ثلثي عدد السكان، مع فارق اساسي وهو ان معظم هؤلاء الجدد من العزاب، وغير العرب، وادخلوا الي البلاد نوعية من الجرائم والامراض الاجتماعية لم تعرفها دول الخليج المحافظة في تاريخها، وهذا ليس سرا، فالصحف الكويتية تطفح بقصص الشذوذ والاغتصاب والسطو المسلح والمخدرات.
وما يقال عن الكويت يقال عن دولة الامارات التي قالت السيدة لبني القاسمي وزيرة الاقتصاد فيها ان نسبة المواطنين فيها ستصل الي خمسة في المئة بعد عشر سنوات اذا استمر التدفق الحالي للاجانب من شبه القارة الهندية ودول الجوار بالمعدلات الحالية نفسها. والشيء نفسه يقال عن قطر التي تستضيف القمة الحالية.
فدول الخليج تستورد شعوبا وليس فقط مستلزمات الحياة العادية، والطفرة المعمارية التي نراها علي شكل غابة من الابراج وناطحات السحاب التي يتباهي بها البعض، ويحقق البعض الآخر الجشع ثروات هائلة من جرائها، هي لـ توطين هذه الشعوب في نهاية المطاف، والسهر علي راحتها.
مسؤول خليجي كبير قال لي كفوا عن القاء المحاضرات علينا عن خطر التركيبة السكانية، وتجنيس العرب، فقد وصلنا الي قناعة بأن المسألة باتت مستعصية علي الحل، فنصف مواطنينا من المجنسين، فهل تريدوننا ان نتحول كمواطنين اصليين الي اقلية اذا استمررنا في عمليات التجنيس هذه التي تطالبوننا بها؟ .
واستطرد المسؤول نفسه قائلا نعم نحن نفضل الهنود، فهؤلاء ارخص واكثر طاعة، ويقبلون بأجور متواضعة، فمن يقبل من عربكم العمل بمئة او مئتي دولار في الشهر في ظروف عمل قاسية؟ اذن اتركونا وحالنا، وشكر الله سعيكم .
هذا المسؤول كان يتحدث قبل اسبوعين فقط من ثورة الهنود في دبي، حيث نزل عشرة آلاف منهم الي شوارع المنطقة الحرة في جبل علي في امارة دبي، في مظاهرات صاخبة وقذفوا السيارات بالحجارة وكسروا بعض المحلات التجارية احتجاجا علي ظروف عملهم السيئة، وللمطالبة بتحسين اجورهم، وانهاء ظلم ارباب العمل من اصحاب الابراج الشاهقة الممارس عليهم، والقادم ربما يكون اعظم.
دول الخليج بحاجة ماسة الي جرعة كبيرة من المصارحة، لانها الانجع والاقصر للوصول الي تفاهم لتسوية معظم القضايا المزمنة والمطروحة علي جدول الاعمال ان لم يكن كلها، وخاصة الخلافات الحدودية المسكوت عنها. فبناء جسر بين ابوظبي وبريطانيا اكثر سهولة من بناء آخر بينها وبين قطر، او بين قطر والبحرين، او فتح معبر حدودي جديد بين قطر والمملكة العربية السعودية، او بين الاولي والامارات.
هناك خلافات بين السعودية والبحرين حول حقل ابو سعفة النفطي، حيث تعارض الاولي مطالب الثانية بضخ اي كميات اضافية تزيد عن 150 الف برميل يوميا، رغم ان هذه الحصة يمكن رفعها الي 850 الف برميل يوميا، شعب البحرين بحاجة ماسة اليها. وهناك خلافات بين السعودية وامارة ابوظبي حول حقل نفط الشيبة العملاق، وامتداداته البرية والبحرية، فشلت كل اللقاءات المكثفة بين الجانبين علي مدي السنوات العشر الماضية في التوصل الي حل لها. اما عن الخلاف السعودي ـ القطري فحدث ولا حرج.
انها القمة الخليجية الاهم، ان لم تكن الاخطر في تاريخ مجلس التعاون، فالاشهر الثمانية المقبلة حاسمة، سلما او حربا، بحيث بات من الصعب التنبؤ بما ستحمله من متغيرات، ولكن ما يمكن التنبؤ به، وبكل ثقة، ان اوضاع منطقة الخليج ستكون مختلفة عن تلك التي نعرفها حاليا، وان القضايا نفسها سترحل الي القمة المقبلة.