تصاعد الحملة لقمع الاعلام الحر

تتدهور اوضاع الحريات بشكل عام، والتعبيرية منها بشكل خاص، في منطقتنا العربية، حيث تتصاعد حدة المضايقات والقيود المفروضة علي وسائل الاعلام العربية من قبل السلطات الحاكمة، تطبيقا لقرارات وزراء الاعلام العرب المتخذة في اجتماعهم الاخير في القاهرة تحت ما يسمي بوثيقة تنظيم الفضائيات العربية .

الهدف من هذه الحملة الشرسة هو تكميم وسائل التعبير الجادة، وافساح المجال علي مصراعيه امام المحطات الفضائية الهابطة التي تروج للعري والخلاعة، وتربي الاجيال الجديدة علي قيم واخلاقيات دخيلة تشجع ثقافة الاستهلاك والتحلل من ثوابت دينية واجتماعية وثقافية ميزت منطقتنا وأمتنا عن غيرها من الامم.
وثيقة تنظيم الفضائيات جرّمت كل وسيلة اعلامية تتحدث عن الفساد الرسمي، وتنتقد الرموز الدينية والسياسية وتؤيد الارهاب او تروج له او تبرره ، دون تحديد معايير محددة او ثابتة لمثل هذه المسميات، وتركت هذه المهمة لوزراء الداخلية العرب، حتي يقوموا بمباشرة التعريف والتطبيق وفق رؤاهم القمعية.
الحكام العرب الذين يقفون خلف هذه الوثيقة، يتزعمون انظمة ديكتاتورية قمعية، بدأوا يظهرون انزعاجهم من مساحة الحرية البسيطة والمحدودة التي بدأت تتسلل الي بعض وسائل الاعلام العربية، والفضائية منها علي وجه الخصوص، ووجدوا في التواطؤ الامريكي الرسمي معهم في هذا المضمار ذريعة للإجهاز علي هذه المساحة، ووأدها بعد ان اصبحت بالفعل خطرا علي انظمتهم.
فمن المؤسف ان العالم الغربي، والادارة الامريكية الحالية علي وجه الخصوص، الذي كان يتحدث عن حتمية دمقرطة المنطقة العربية، واطلاق الحريات الاعلامية فيها، بات يشجع علي قمع اجهزة الاعلام، ودعم ثقافة الخداع والتضليل، سواء من خلال الضغط علي الحكومات العربية لتشديد القيود علي الصحف ووسائل الاعلام، او من خلال اطلاق محطات فضائية باللغة العربية للمشاركة في عمليات التشويش والتضليل، ودعم الحروب الحالية والمستقبلية ضد العرب والمسلمين، والترويج لثقافة التطبيع والاستسلام.
سكوت ماكليلان المتحدث السابق باسم البيت الابيض فضح ثقافة الخداع هذه في كتاب اصدره اخيرا، وتحدث بالتفصيل عن استراتيجية الكذب التي مارسها الرئيس جورج بوش ومساعدوه لتبرير الحرب علي العراق، وخداع الرأي العام الامريكي والعالمي، عبر فبركة قصص اخبارية عن اسلحة الدمار الشامل العراقية والعلاقة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة . الكتاب لا يأتي بأي جديد ولكنه يستمد اهميته من ان صاحبه كان داخل مطبخ الفبركة والتضليل.
ولم يكن من قبيل المصادفة ان كل ما يسمي بالمناطق الاعلامية الحرة التي اقيمت في المنطقة العربية فجأة، جاءت امتدادا لثقافة التضليل هذه، وتكريسا لها، فقد انبثقت فجأة في الفترة بين احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) والغزو الامريكي للعراق في آذار (مارس) عام 2003، لاستضافة وسائل اعلام فضائية للتوطئة للحروب الامريكية ـ الغربية في المنطقة تحت مسميات مكافحة الارهاب.
 
المشهد الاعلامي العربي يبدو قاتما بل ومرعبا، يكشف عن تطبيق شرس للاستراتيجية التي افرزت وثيقة الفضائيات بدأت ارهاصاته في اكثر من بلد عربي نوجزها في النقاط التالية:
اولا: اعتصام عشرات الصحافيين امام مبني النائب العام في صنعاء احتجاجا علي اعتقال الزميل الصحافي عبد الكريم الخيواني رئيس تحرير صحيفة الشوري الاسبوعية اليمنية، وصدور حكم بسجنه ستة اعوام مع النفاذ العاجل لامتلاكه اقراصا مدمجة بشأن تفاصيل الحرب في صعدة بين الحكومة والحوثيين.
ثانيا: اقدام الحكومة المصرية علي منع بث قناة الحوار عبر القمر الصناعي نيل سات واصدار احكام بالسجن في حق خمسة زملاء علي رأسهم ابراهيم عيسي رئيس تحرير صحيفة الدستور اليومية وملاحقة المدونين، واعتقال بعضهم.
واخيرا اغلاق مكتب بث فضائي انتقاما لإسهامه في نقل صور متظاهرين بالمحلة وهم يدوسون علي صورة للرئيس مبارك.
ثالثا: منع قناة الجزيرة الفضائية من البث من الرباط، وسحب اعتماد مدير مكتبها، وتقديمه الي المحاكمة، لانها بثت خبرا عن وقوع قتلي في مظاهرات بلدة سيدي ايفني في الجنوب احتجاجا علي البطالة والجوع، وهو الخبر الذي بثته صحف مغربية في صدر صفحاتها الاولي، وكذلك وكالات انباء عالمية مثل رويترز وغيرها.
رابعا: تواجه صحيفتان مغربيتان خطر الاغلاق بسبب احكام قضائية مبالغ فيها، الاولي صحيفة المساء التي تواجه حكما بالغرامة يصل الي خمسة ملايين درهم (800 الف دولار)، والثانية الجريدة الاولي التي تواجه غرامة يومية مقدارها خمسة آلاف درهم لانها نشرت وثائق هيئة الانصاف والمصالحة التي تتضمن شهادات شخصيات عامة مثل السيد عبد الهادي بو طالب الوزير السابق، حول انتهاكات حقوق الانسان في المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. يذكر ان الزميل رشيد نيني رئيس تحرير صحيفة المساء تعرض للضرب وسرقة حاسوبه علي ايدي مجهولين ايضا.
خامسا: الحكومة المغربية رفضت طباعة صحيفة القدس العربي اسوة بصحف عربية وفرنسية اخري، وسحبت موافقة لها في هذا الخصوص، رغم تبليغ ادارة الصحيفة بها رسميا من قبل وزير الاتصال الخارجي (الإعلام) ونشر خبر التصريح في وكالة الانباء المغربية الرسمية.
سادسا: الزميل سليم بو خذير ما زال يقبع خلف القضبان في احد سجون تونس بتهمة الاعتداء علي أحد رجال الامن، وهو اعتداء لم يخرج عن حد الجدل حول البطاقة الشخصية، ولم يتطور الي ما هو ابعد من ذلك حسب الرواية الرسمية. فهل يستحق هذا الجدل السجن لمدة عام؟
 
حملات الارهاب الاعلامي هذه تستهدف وسائل اعلامية بالذات تعمل علي نشر الحريات، وقيم العدالة والقضاء المستقل، وتنحاز الي القاريء في تقديم المعلومة الصحيحة، وتوفير منبر لكل الآراء للتعبير عن وجهات نظرها بحرية تامة. وتتصدر قناة الجزيرة الفضائية هذه الوسائل، ولهذا تستهدف اكثر من غيرها خاصة في دول شمال افريقيا، والمغرب علي وجه الخصوص.
نحن نحترم القضاء وأحكامه، مثلما نرفض ان يتطاول اي زميل او زميلة علي خصوصيات الناس ويقذف في حقهم، شريطة ان يكون القضاء مستقلا، وليس مسيّسا يرتبط بمزاج الحاكم وحاشيته مثلما هو الحال في الاغلبية الساحقة من الدول العربية.
محطة الجزيرة ، سواء اتفقنا مع خطها التحريري او اختلفنا اصبحت الاكثر مشاهدة في المنطقة العربية بأسرها لانها رفعت سقف الحريات، وانحازت الي القضايا العربية المركزية، وخاصة قضية فلسطين، وابرزت حجم العدوان الامريكي في العراق ونتائجه الكارثية، ولهذا منعت في العراق وتعرض مراسلوها للاغتيال والاعتقال، وافسحت مساحة كبيرة للاصوات العربية المعارضة للتعبير عن مواقفها بطريقة حضارية، ولهذا تتعرض للمضايقات، والمنع والاغلاق. ونعترف أننا من خلال متابعتنا لتغطياتها الاخيرة، ان الارهاب الرسمي العربي لها بدأ يعطي ثماره، حيث باتت تهادن المملكة العربية السعودية كليا، ومصر جزئيا، ولا ننسي الارهاب الامريكي في هذه العجالة، وتكفي الاشارة الي ان الرئيس الامريكي جورج بوش زار المنطقة مرتين في اقل من خمسة اشهر ولم تطأ قدمه ارض قطر رغم وجود قاعدة امريكية ضخمة علي ارضها، وكذلك فعل نائبه ديك تشيني، والسيدة كوندوليزا رايس التي قامت باكثر من خمس عشرة جولة شملت معظم عواصم المشرق العربي، والسبب في هذا التجاهل هو قناة الجزيرة ، وبرامجها التي تستضيف شخصيات عراقية وعربية واسلامية جنبا الي جنب مع معتدلين آخرين، تعارض السياسات العدوانية الامريكية في المنطقة.
ومن المفارقة ان هذا الارهاب الرسمي العربي لـ الجزيرة يتزامن مع مقاطعة الحكومة الاسرائيلية والمسؤولين فيها لأي مشاركة في برامجها، فلم تشفع زيارة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية للدوحة لها، ولم ترفع هذه المقاطعة الرسمية.
يريدون للاعلام العربي الجاد ان يعود الي العصر الحجري، اعلام استقبل وودع وأشاد وان يشارك في التضليل والتستر علي الإذلال الامريكي والهوان الرسمي القمعي، تحت مسميات الاعتدال و الواقعية والحفاظ علي الاستقرار الداخلي ، والاستعانة بنموذج العراق وما جري له لتبرير الاعتقالات والتعذيب ومنع الحريات، وكأن الشعب العراقي هو المسؤول عما جري ويجري له حاليا.