من يحقق مع من يا سيادة الرئيس؟

 جميل ان يأمر الرئيس حسني مبارك بتشكيل لجنة للتحقيق في اسباب فشل البعثة الرياضية المصرية في اولمبياد بكين، وتدني مستوى اداء معظم اللاعبين والفرق في مختلف المسابقات، وتحديد اوجه القصور، ومحاسبة المقصرين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان كل شيء يسير على الوجه الاكمل في البلاد، والاستثناء الوحيد الشاذ في منظومة النجاح المصرية هو في الاولمبياد فقط؟ فهل الصناعة المصرية فرغت لتوها من انتاج صواريخ يبلغ مداها ثلاثة آلاف كيلومتر، والبرنامج النووي المصري على وشك تحقيق التوازن الاستراتيجي مع القوى الاقليمية العظمى التي تهدد الامن القومي المصري مثل اسرائيل؟ وهل اصبحت خيرات النمو الاقتصادي المصري تصل الى كل المصريين، بحيث باتت المستشفيات هي الافضل كفاءة، والجامعات المصرية تحتل مكانة متقدمة في الترتيب العالمي، أما المياه فباتت في متناول كل بيت وقرية وتجمع، والوظائف تصرخ استغاثة خلف طالبيها البطرانين؟ قبل ان يسأل البعض سؤالاً سمعناه وقرأناه اكثر من مرة، وهو ما شأننا وشأن مصر، نقول ان مصر هي البوصلة والرافعة والمنارة للأمة العربية بأسرها، والقاطرة الاهم التي يمكن ان تقودها الى القمة او القاع، فإذا نهضت، نهضنا معها وبها، واذا كبت كبونا، فهذا هو قدرنا الذي لا نستطيع الفكاك منه كرهنا ذلك أو أحببناه.

فالشلل الذي عاشته مصر طوال الثلاثين عاماً الماضية هو الذي اوصلنا إلى الوضع المزري الذي نعيشه حالياً، حيث تحولنا إلى 'امة خدمات' ترهن ثرواتها وثقلها في خدمة مشاريع الآخرين، دون أي مقابل غير ضمان استمرار الفساد والفاسدين في قمة السلطة. 
 
يجب أن يعترف صانع القرار في مصر، والمجموعة التي تحيط به، وتصيغ سياساته وبرامجه ومواقفه، ان البلاد تعيش حالة من الشلل والجمود ليس في ميدان الرياضة فقط، وانما في الفن والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم، والاعلام والثقافة والصحة والمواصلات والخدمات الاساسية الأخرى.
وهي مجالات كانت رائدة فيها، ومكنتها من ان تحتل مكانة متقدمة تتفوق على قوى اقليمية حالية مثل الهند وايران وكوريا وماليزيا والبرازيل، والقائمة تطول.
أين الثقافة المصرية التي صاغت الذهن العربي والاسلامي على مدى قرن أو أكثر، واين الاعلام المصري الذي كان يشكل الوعي السياسي للأمة، واين الدراما المصرية التي دخلت كل بيت وجعلت من اللهجة المصرية المحببة تتقدم على الفصحى، وتصبح احد معالم التحضر في المجتمعات العربية؟ لا يحتاج الرئيس مبارك لتشكيل لجنة لمعرفة بواطن الخلل في اداء اللاعبين المصريين لعدة اسباب، فجميع اللجان التي تشكلت في الماضي لم تنجز مهامها، وان انجزتها فنتائجها جاءت مخجلة تتستر على المقصرين وتبرئهم، واصغر طفل مصري، في أبعد قرية في صعيد مصر، يعرف جيداً، ان جميع مصائب مصر الحالية عنوانها 'الفساد والاستبداد'.
مصر تتعرض لعملية 'خطف' في وضح النهار من قبل حفنة صغيرة فاسدة لا تتشرف بالانتماء اليها، وتتأفف من استخدام عملتها، وترفض ركوب طائراتها التي تحمل اسمها، وتعيش في اندية مغلقة حتى لا تحتك مع ابنائها الكادحين، أو ترى وجوههم المسحوقة من آثار الفقر والجوع وطوابير الخبز.
الفساد اصبح المنظومة الوحيدة التي تتقدم وتتسع دائرتها، وتضم اعضاء جدداً، لمسيرتها في نهب مصر وثرواتها وعرق ابنائها، منظومة اصبح لها طقوسها ودستورها ومنظروها، الشيء الوحيد الذي يميزها عن المحافل الماسونية هو فجورها العلني، واستهتارها بكل قيم هذا البلد العريق واحترام مشاعر ابنائه.
مصر حكمت المنطقة العربية، وتسيدت القارة الافريقية، وتبوأت زعامة العالم الثالث بابداعاتها الثقافية والفنية، وكرامتها الوطنية، ومواقفها السياسية الشجاعة في نصرة الحق، والانتصار لقضايا المستضعفين بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو لونهم.
التحقيق يجب أن يتم مع القيادات السياسية التي أوصلت مصر إلى هذا الوضع المهلهل بحيث أصبح دورها مثل 'خيال مآتة'. هؤلاء ارتكبوا جريمة في حق مصر والامة العربية، بأسرها، لانهم خانوا الامانة، وفرطوا بالثوابت الوطنية، واوصلونا إلى هذا الوضع المزري الذي جعلنا اضحوكة في نظر العالم بأسره.
من العيب أن يقدم البعض حفنة من الرياضيين ككبش فداء لفشل عام وفي ميادين أكثر حيوية وأهمية، فهؤلاء هم الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من القصور والفشل يتحمل مسؤوليتها كبار الكبار وحواريوهم.
ثم من سيحقق مع من؟ هل ستحقق الحكومة مع رئيس اللجنة الأولمبية الذي هو شقيق زوجة الرئيس وخال 'ولي العهد'، أو الحاكم الفعلي للبلاد؟ وهل سيحقق المجلس الأعلى للرياضة مع الاتحادات الرياضية التي كانت تقدمت ضده بشكاوى للاتحادات الدولية واللجنة الأولمبية الدولية بسبب تدخلات الحكومة في عملها؟ وفي ماذا سيكون التحقيق؟ في سفر أكثر من مئة رياضي على أساس المحسوبية والفساد، وليس على أساس الكفاءة والمقدرة والرغبة في رفع اسم مصر عالياً في المحافل الدولية؟ وهل يعقل ان مصر صاحبة التاريخ الاولمبي العريق تأتي في مرتبة دنيا وخلف دول أصغر منها مكانة وتعداداً وتاريخاً وحضارة، وبالكاد يعرف الناس مكانها على الخريطة كـ'توغو' وبوركينا فاسو؟ وهل سيشمل التحقيق أيضاً هزيمة مصر التاريخية بأربعة أهداف نظيفة أمام السودان في نتيجة غير مسبوقة، وهي التي يلعب أكثر من عشرة من أبنائها على الأقل في أضخم الأندية الأوروبية؟ اليس غريباً أن تحقق البعثة الأولمبية المصرية في الثلث الأول من القرن العشرين، وعندما كانت تحت الاحتلال نتائج أفضل تضعها في مرتبة متفوقة جنباً إلى جنب مع دول أوروبية متقدمة (ثلاث ميداليات ذهبية في دورة عام 1928) بينما لا تفوز وبعد نصف قرن من الاستقلال الا بميدالية برونزية يتيمة؟ الكتابة كانت واضحة على الحائط، منذ أن حصلت مصر على 'صفر' من الأصوات في مسابقة تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2010 التي فازت فيها جنوب أفريقيا، فهل فتحت الحكومة لجنة تحقيق وعاقبت المسؤولين عن هذه الاهانة؟ لا، ما حدث هو العكس تماما، فقد كافأت الدولة الوزير المسؤول (علي الدين هلال) بتعيينه قيادياً وأميناً عاماً للإعلام في الحزب الحاكم؟ ماذا فعلت الدولة ولجان تحقيقها في كارثة العبارة، وسرقات مؤسسة 'الأهرام'، وقضية الدم الفاسد، وحريق قطار الصعيد، وماذا ستفعل في حريق مجلس الشورى، وكل الحرائق المستقبلية الآتية دون ريب اذا استمر الحال على ما هو عليه؟ عندما تكون المهمة الوطنية الأبرز للنظام الحاكم هي حماية الفاسدين، والتستر عليهم، وأعمال نهبهم لعرق الفقراء المعدمين المسحوقين، واحراق الملفات التي تدينهم، بينما تتفنن في سجن الشرفاء المعارضين، وتكميم أفواه الصحافيين والمفكرين وتلفيق التهم لهم وتشويه سمعتهم، فإن مسيرة السقوط ستستمر في هاوية بلا قاع.
مصر مريضة، ومرضها ينخر جسدها والأمة العربية جميعاً، فهي مرآة حالنا، نرى فيها وجهنا البشع، وتخلفنا المزري، بحيث أصبحنا أمة بلا وزن، ولا قيمة، ولا فعل، 'أمة خدمات' ترهن ثرواتها وأبناءها في خدمة مشاريع الآخرين.