فليرحل عباس مع بوش واولمرت

تشهد الساحة السياسية الفلسطينية حالة من الجدل حول مسألة تمديد فترة رئاسة السيد محمود عباس لسنة اخرى في قمة السلطة الفلسطينية، بينما ينشغل المواطن الفلسطيني في الاراضي المحتلة بهمومه المتفاقمة وصعوبة توفير لقمة العيش لاطفاله في ظل حصارات اسرائيلية خانقة في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

الرئيس عباس بدأ هذا الجدل عندما لمّح في حديث لصحيفة 'هآرتس' الاسرائيلية عن عزمه البقاء في السلطة حتى كانون الثاني (يناير) عام 2010، وعززه بتصريحات علنية متلفزة بأن اي تمديد سيتم وفق الاجراءات القانونية والدستورية.
حركة 'حماس' الطرف الآخر في المعادلة الفلسطينية اعلنت على لسان السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي بانها لن تعترف بأي شرعية للرئيس الفلسطيني بعد التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل وهي فترة انتهاء رئاسته، الا اذا تمت انتخابات رئاسية في ظل توافق وطني.
هذا التراشق بالتصريحات، رافقته فتاوى قانونية ودستورية من الخبراء في الجانبين، حيث يحاول كل طرف ان يعزز موقفه بالعودة الى بعض النصوص في النظام الاساسي للحكم الذي اقره المجلس التشريعي ايام الرئيس الراحل ياسر عرفات.
الخبراء الدستوريون العاملون في مكتب الرئيس عباس، اصدروا فتوى تؤكد ان التمديد قانوني ومشروع وفق التعديلات الدستورية التي ادخلت على نظام الحكم الاساسي، بحيث تتزامن انتخابات الرئاسة مع انتخابات المجلس التشريعي. فرد نظراؤهم في الطرف الآخر ببطلان ذلك، واكدوا ان هذه التعديلات لم تقر من المجلس التشريعي مثلما يؤكد النظام الاساسي ولوحوا بتنصيب الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي المعتقل رئيسا للسلطة بعد كانون الثاني/يناير المقبل ريثما يتم انتخاب رئيس للسلطة.
خيارات الرئيس عباس محدودة جدا، علاوة على كونها محرجة، فاجراء انتخابات رئاسية قبل كانون الثاني/يناير المقبل امر صعب، لان الوقت غير كاف للتحضير لها، وحتى لو توفر الوقت فإنها ستكون انتخابات صعبة في ظل الانقسام الحالي، ووجود سلطتين، واحدة في غزة واخرى في الضفة، ولا نعتقد ان 'حماس' ستسمح بها في القطاع في ظل حالة الاستقطاب الراهنة على الساحة الفلسطينية، وعقدها في الضفة فقط يعني تكريس الانقسام الحالي، وتنصيب عباس رئيسا للضفة فقط.
اما استمرار عباس في السلطة بعد فترة انتهاء رئاسته، فسيكون موضع تشكيك دستوري في شرعيته، مما قد يؤدي الى شل حركته، وسحب الكثير من صلاحياته واضعاف موقفه التفاوضي، ان لم يكن انهاءه بالكامل.
فكون بعض الحكومات العربية طالبت الرئيس عباس بالاستمرار في السلطة، وفق تسريبات مقربين منه، لا يعطيه شرعية، لانه يستمد شرعيته كرئيس للسلطة من الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وليس من زعيم هذه الدولة او تلك.
 
من الواضح ان الرئيس عباس سيتمترس في منصبه، ليس لعام واحد فقط، وانما لاعوام مقبلة، مثله مثل كل الزعماء العرب تقريبا، فبعضهم يتربع على كرسي الحكم منذ اربعين عاما، ولماذا يكون استثناء، فهو على الاقل، من وجهة نظر انصاره، لم يأت الى الحكم عبر انقلاب عسكري، بل من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة.
وربما يرد معارضوه بالحجج نفسها التي يتهمهم بها انصاره، فقد جرت العادة على اتهام الاسلاميين بانهم يريدون الانتخابات كوسيلة للوصول الى سدة الحكم، وبعد ذلك يتمترسون فيها ولا يغادرونها، ويلغون العملية الديمقراطية برمتها طالما ان هدفهم قد تحقق.
تمديد الرئيس عباس لرئاسته، اذا ما تم، لن يكون ظرفا استثنائيا، فكل المؤسسات الفلسطينية الحالية غير شرعية على اي حال وتستمر في عملها دون اي مسوغ دستوري او قانوني. فالمجلس الوطني الفلسطيني غير شرعي، وان كان لا يعقد اي جلسات منذ 12 عاما، وكل ما هو منبثق عنه من مؤسسات مثل اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي الفلسطيني ايضا غير شرعي بصفة آلية.
حتى اللجنة المركزية لحركة 'فتح' الحزب الحاكم ناقصة الشرعية ايضا، لان المؤتمر العام لحركة 'فتح' الذي يقوم بانتخابها لم يعقد منذ عام 1989، ولا يوجد اي مؤشر على قرب انعقاده بسبب الخلافات بين الرئيس عباس وزملائه في هذه اللجنة حول مكان الانعقاد وعدد وكيفية اختيار المشاركين فيه.
وانعدام الشرعية لم يتوقف عند مؤسسات منظمة التحرير، او حركة 'فتح' نفسها، بل امتد للحكومة الفلسطينية الحالية التي يرأسها السيد سلام فياض. فمن المفترض ان تكون حكومة طوارئ لمدة شهر، ولكنها ما زالت مستمرة، ولاكثر من عام، ودون اي فتوى دستورية، او مصادقة من المجلس التشريعي مثلما ينص النظام الاساسي للحكم.
ولا نعرف لماذا يريد السيد عباس البقاء في رئاسة السلطة بعد انتهاء فترة رئاسته، وهو الذي روج دائما لزهده في المناصب، وعزمه الاعتزال وافساح المجال لدماء جديدة. نفهم ان يصر على الاستمرار لو كانت رهاناته على المفاوضات مع اسرائيل بدأت تعطي ثمارها ويحتاج الى المزيد من الوقت لاتمامها بنجاح. ولكنه يصرح ليل نهار بان المفاوضات مع ايهود اولمرت لم تحقق اي تقدم على اي من القضايا الست المطروحة.
المفروض ان يستقيل عباس قبل انتهاء ولايته لان مشروعه التفاوضي فشل، فهكذا يفعل الزعماء الاحرار في مثل هذه الحالة، ثم كيف يستمر في السلطة وجميع اصدقائه، ابتداء من جورج دبليو بوش وايهود اولمرت وكوندوليزا رايس، سيغادرون مواقعهم في الوقت نفسه الذي تنتهي فيه فترة رئاسته اي في كانون الثاني/يناير المقبل، فمن الاشرف له ان يذهب معهم ايضا، حتى لا يشعر بالغربة.
 
الرئيس عباس لا يستطيع توقيع اتفاقات مصيرية مع الاسرائيليين وهو لا يتمتع بالشرعية الكافية، وحتى لو توصل الى هذه الاتفاقات فانه لن يستطيع تسويقها للشعب الفلسطيني في ظل حالة الانقسام الحالية، والخلاف على شرعية رئاسته حتى في اوساط تنظيم 'فتح' الذي يتزعمه.
هناك شبه اجماع فلسطيني ودولي على فشل حل الدولتين، وانهيار المفاوضات المنبثقة عن مؤتمر انابوليس للسلام، وتفكك اللجنة الرباعية الدولية، وتغير المعادلات الاستراتيجية الدولية في ظل بروز روسيا كقوة عظمى ومعها حالة استقطاب وحرب باردة على الساحة الدولية.
هذه المتغيرات تتطلب منهج عمل فلسطيني جديدا يقود الى استراتيجية مختلفة تتعامل معه، بقيادات فلسطينية جديدة شابة محنكة تملك رؤية، وفهما اعمق. ولا نعتقد ان الرئيس عباس والمجموعة المحيطة به، ومعظمهم من جيل الحرب الباردة الاول وافرازاتها يصلحون لهذه المهمة.
الرئيس عباس يستطيع، بتركه المنصب، ان يقلب الطاولة على الجميع، والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل على وجه الخصوص، لانهم هم الذين افشلوه، رغم كل ما ابداه من مرونة في المفاوضات والعملية السلمية.
سيظل هناك من يسأل وما هو البديل في حال انسحاب عباس هذا الذي سيؤدي حتما الى انهيار السلطة، نقول ان البديل هو عودة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل اوسلو، وتسمية الاشياء بمسمياتها، وانهاء مسلسل الكذب على النفس الذي تعيشه حاليا، وعلينا ان نتذكر ان قبل السلطة كان هناك احتلال، وفي ظلها استمر الاحتلال ايضا، ونذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونقول ان الارض المحتلة كانت موحدة قبل السلطة، ولم تنقسم الا في ظلها.. ولذلك لنعد الى المربع الاول بعد فشل كل المربعات الاخرى، وتحول الشعب الفلسطيني خلالها الى شعب متسول والتصاق تهمة الفساد بقياداته، ولتكن مرحلة انتقالية يعيد فيها هذا الشعب حساباته، ويطور بعدها استراتيجية جديدة بقيادات جديدة.