الحصانة السورية والارهاب الزاحف

تسارع الادانات العالمية، والمبالغات في اظهار التعاطف والتضامن، خاصة من قبل دول ومنظمات عالمية مثل الولايات المتحدة والامم المتحدة وفرنسا، كلها مؤشرات توحي بان الجهة التي تقف خلف التفجير الارهابي الذي وقع على طريق مطار دمشق ليست اسرائيلية، وهذا لا يعني ان اسرائيل ليست من بين المستفيدين الكثر من جرائه. 

فسورية تعرضت للعديد من العمليات الارهابية قبل هذه، تمثل بعضها في اغتيالات لرؤوس كبيرة مثل الجنرال محمد سليمان، وعماد مغنية، وبعضها الآخر في غارات جوية، مثل قصف قاعدة عين الصاحب قرب دمشق، والمفاعل النووي المزعوم قرب دير الزور، ومع ذلك، لم تصدر ادانة واحدة لهذه الانتهاكات السافرة للسيادة والأمن السوريين.
من الصعب الجزم بهوية الجهة المسؤولة عن التفجير، لان الحكومة السورية المعنية بهذا الامر مقطرة في تصريحاتها، لدرجة ان المرء يشعر بالاشفاق الشديد على الزملاء السوريين الذين تستضيفهم الفضاءات العربية للتعليق والتحليل، فالجملة الوحيدة المكررة التي يرددها المسؤولون السوريون دائما، 'ان التحقيقات تأخذ مجراها لمعرفة الجهة الارهابية المسؤولة'، وهناك تحقيقات في جرائم مماثلة مستمرة منذ عشرين عاما ولم تنته من مهمتها.
الامر الآخر الغريب واللافت للنظر، ان الجهات التي تفجر السيارات في سورية لا تصدر اي بيانات تدعي فيها مسؤوليتها، او تكشف عن هويتها، على عكس تفجيرات مماثلة تقع في دول اخرى، باستثناء لبنان، فالقاسم المشترك بين التفجيرات السورية واللبنانية هو 'الغموض' حول هوية الجهة المنفذة. وازاء هذا الوضع الاستثنائي سيضطر الكاتب والمحلل مثلنا، الى الإكثار من كلمات مثل 'قد'، و'ربما'، و'من غير المستبعد'، و'بعض'.
سورية ظلت، ولسنوات طويلة، محصنة من 'داء الارهاب'، لانها اختارت الوقوف دائما في معسكر المتشددين، وفي مواجهة المشاريع الامريكية والاسرائيلية في المنطقة، الامر الذي اوقعها في موقف حرج بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، واقدام مصر السادات، شريكتها في جميع حروبها السابقة، على رفع راية الاستسلام، والخروج من جبهة المواجهة، وتوقيع 'اتفاقات سلام' مع اسرائيل، مقتنعة بالنظرية التي تقول ان تسعة وتسعين في المئة من اوراق اللعبة هي في يد امريكا.
فعندما ضرب 'الارهاب الاصولي الاخواني' سورية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي سحقته قوات الامن السورية بوحشية وقسوة، وسط صمت عالمي ومباركة امريكية ـ عربية مشتركة، لان اتصالات كانت تجري في الخفاء للحصول على مقابل سوري يتمثل في ضبط الاوضاع في لبنان وانهاء ظاهرة المقاومة الفلسطينية 'الغريبة' على ارضه، واعادته ولو مؤقتا، لبيت الطاعة الدولي.
الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بلع الطعم الامريكي ـ العربي، وساهم بإخراج منظمة التحرير من لبنان، ولكنه استبدلها بمقاومة لا تقل صلابة وبأسا، ان لم تكن اكثر، اي المقاومة الاسلامية بزعامة 'حزب الله' فجاءت النتائج كارثية على اسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما العرب مثلما نرى من خلال حالة السعار من هذه الاطراف ضدها.
 
الرئيس الأسد الأب ما كان يتصرف بهذه القوة ضد المقاومة الفلسطينية لو لم يكن رصيده كبيرا في الشارع العربي بفعل دخوله حرب اكتوبر، ورفضه اتفاقات كامب ديفيد، وقيادة جبهة الرفض العربية، لكن هذا الرصيد بدأ يتآكل بالنسبة الى ابنه الرئيس بشار، بفعل تغير المعادلات الاقليمية والدولية اولا، وبعض جوانب الارتباك في السياسات التي اتبعتها حكومته للخروج من حالة العزلة التي تعيشها، وكسر الطوق الامريكي ـ الاسرائيلي ـ العربي المحيط بها، ابرزها فتح فصل من المفاوضات السلمية مع اسرائيل، واغلاق الحدود في وجه المقاومة العراقية، والتعاون في المرحلة الاولى من الحرب ضد الارهاب، وتطبيع العلاقات مبكرا مع الحكومة العراقية المنبثقة عن الاحتلال.
هذه السياسات 'التكتيكية' الرامية الى كسب الوقت، وكسر العزلة، نجحت في تحقيق معظم اهدافها، ولكنها ادت في الوقت نفسه الى ضرب 'الحصانة الوطنية' السورية جزئيا على الاقل، من خلال تقليل التعاطف الشعبي، واعطاء ورقة قوية لأعداء سورية خاصة من السلفيين لتوجيه سهامهم، وربما سياراتهم المفخخة اليها.
مكمن الخطر في هذه السياسات انها بدأت تنتقل تدريجيا من كونها تكتيكية الى منهج استراتيجي، تحت مسميات 'البراغماتية'، و'الواقعية'، وفهم المعادلات الدولية. وينسى انصار هذا المعسكر داخل الحكم السوري، ان هذا النهج جاء متأخرا، وفي الوقت الخطأ، وفي ظل مرحلة تغيير على مستوى العالم عنوانها تراجع القوة الامريكية العظمى اقتصاديا، وظهور قوى جديدة كانت، وربما ما زالت، حليفة لسورية مثل روسيا والصين والهند.
سورية حكمت المنطقة العربية، و'أرهبت' خصومها بـ'هيبتها الوطنية' وصمودها كآخر حصون الممانعة العربية، ولكنها عندما بدأت 'تعتدل' اصبحت تواجه استهدافا من أقرب حلفائها العرب المعتدلين، وهؤلاء يملكون سلاحا فتاكا اسمه الاصولية الاسلامية المدعومة بعوائد نفطية تقدر بتريليون دولار (الف مليار دولار) سنويا.
 
نوضح اكثر، ونقول ان المعارضة السورية التي عاشت عزلة اكثر من عزلة النظام الاخيرة، لاكثر من عقدين، هي اما من رحم النظام (خدام ورفعت الاسد) واما اصولية سلفية متشددة، مثل حركة الاخوان المسلمين (جناح صدر الدين البيانوني) او من الجماعات السنية في منطقة طرابلس الغرب، وهي جماعات تنطلق من احقاد طائفية محضة. ومن اللافت ان جميع هذه الجماعات السورية المعارضة تتلقى الدعم المالي النفطي، والسعودي على وجه الخصوص، وظهرت بقوة بعد خروج نظرية 'الهلال الشيعي' قبل خمسة اعوام. فالمنطقة بدأت تشهد حربا طائفية فكرية غير مسبوقة، وتوظيف الخلافات المذهبية لاشعال العداء بين السنة والشيعة، واستبدال ايران باسرائيل كعدو اساسي للعرب والسنة، تماما مثلما 'شيطنت' امريكا نظام صدام حسين، وجعلته، وليس اسرائيل، مصدر الخطر على جيرانه بشكل خاص والعرب بشكل عام.
سورية هي الحلقة الاضعف في الهلال الشيعي المزعوم، فنظامها يتربع على مستودع اصولي سلفي سني ضارب الجذور، ومحاطة بدولتين فاشلتين، هما لبنان والعراق، تشهدان احتقانا، وفي بعض الاحيان، حربا طائفية بين السنة والشيعة.
فلم يكن من قبيل الصدفة ان يبدأ دعاة سعوديون معروفون، آخرهم الشيخ سلمان العودة، بتكفير الشيعة، والتقليل من انتصارات حزب الله، والحديث عن عمليات 'تشييع' للسنة، خاصة في سورية، واتهام المقاومة و'حزب الله' بالعمل بالتنسيق مع اسرائيل، ومطالبته بحذف اسم 'الله' من تسميته. ولم يكن مستغربا ايضا ان تكون المملكة العربية السعودية هي الوحيدة، التي لم تدن 'التفجير الارهابي' في دمشق، من بين سائر الدول العربية الاخرى.
ختاما نقول ان المنطقة العربية كلها باتت موضوعة على مائدة التفكيك وتقطيع الاوصال، فالنظام الرسمي العربي يعيش مرحلة احتضار، بعد أن بدأت حاضنته الامريكية تواجه الهزائم في افغانستان والعراق، والازمات المالية الطاحنة في الداخل. فامريكا حليفة هذا النظام لم تعد محترمة ولا مهابة. والشيء نفسه يقال عن كل من يعتمد عليها ماليا او امنيا. الارهاب الذي ضرب سورية هو عنوان المرحلة، ولم تعد هناك اي دولة محصنة من اعراضه. فالمنطقة في حال من الاحتقان الشديد اثر استفحال الفساد، وانتشار الفقر، وظهور جيل يشكل نصف تعداد الأمة بلا مستقبل، وفي ظل غياب كامل للمشروع الوطني والتوزيع العادل للثروات، وتصاعد حملة اضطهاد السلفية الاسلامية تحت مسميات الحرب على الارهاب، وتجريم كل مسلم، واعتماد الحلول الامنية فقط، وتغييب الحلول الاجتماعية والسياسية.
الانتصارات الجزئية، التي ربما تتحول الى كلية، لجماعات اصولية سلفية في العراق وافغانستان احدثت حالة من الصحوة يتم التعبير عنها بعمليات 'ارهابية'، الامر الذي سيشجع آخرين لاتباع هذه النماذج، وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي ربما يغير معادلات كثيرة اعتقد الكثيرون انها راسخة.
الوقت ليس متأخرا بالنسبة الى الحكومة السورية لإجراء مراجعة شاملة لتقليص الخسائر اذا تعذر منعها. وهناك العديد من الأمثلة في هذا الصدد، ابرزها النموذج الكوري الشمالي وما شهده من 'تراجعات نووية'، او النموذج البوليفي والفنزويلي، حيث تقف قيادتا البلدين بصلابة في وجه مشاريع الهيمنة والتركيع الامريكية. ولا ننسى ايضا ضرورة تحصين الجبهة الداخلية من خلال المزيد من الحريات واحترام حقوق الانسان، حيث ان الملف السوري في هذا الاطار ليس ورديا، فالحلول الامنية المتشددة للارهاب وحدها ثبت فشلها، بل كانت نتائجها عكسية، وما يحدث لامريكا القوة الأعظم من نكسات في العراق وايران هو اهم الدروس في هذا الصدد.