خطاب ‘ليبرالي’ سعودي غريب

يبدو ان الاستراتيجية الجديدة لفقهاء 'مدرسة التطبيع' في المملكة العربية السعودية ليست الدفع باتجاه تسريع التقارب بين حكومة بلادهم واسرائيل فقط، وانما شن حملات اعلامية مكثفة، ومدروسة، لالغاء قضية فلسطين ومحوها من العقل العربي كقضية مركزية تشكل لب الصراع الاسلامي الاسرائيلي، وتحويلها الى قضية ثانوية تحتل مكانة متدنية على سلم الأولويات، بالمقارنة مع قضايا اكثر اهمية من وجهة نظر هؤلاء مثل التعليم والتنمية، ومحو الأمية، وحقوق الانسان، والفساد. 

هذه الاستراتيجية الجديدة بدأت تنعكس بقوة في سلسلة من المقالات لبعض الكتاب السعوديين ظهرت في الآونة الاخيرة، متزامنة مع جولات انعقاد مؤتمر 'حوار الاديان' تركز في جوهرها على ضرورة فك الارتباط العربي بالقضية الفلسطينية، باعتبارها استنزفت الأمة العربية، واعاقت التنمية، وأخّرت التطور التعليمي، اي انها سبب كل مصائب الأمة.
ومن المفارقة ان هذه الحملة الجديدة المتصاعدة التي تقودها شخصيات سعودية فكرية مرموقة، محسوبة على 'الليبراليين الجدد'، من امثال الدكتور تركي الحمد تذكرنا بنظيرتها التي سادت في الصحافة المصرية قبيل واثناء وبعد زيارة الرئيس الراحل محمد انور السادات الى القدس المحتلة، حيث شنت مجموعة من الكتاب حملات ضارية ضد العرب والفلسطينيين وصلت الى حد الشتائم وتحريض الشعب المصري وتكريهه بالعرب الذين ينعمون بالمال والرخاء بينما يغرق هو في الفقر والحرمان.
الحملة المصرية هذه، المدروسة بعناية، والموحى بها رسميا، قادت الى اتفاقات كامب ديفيد، والمقاطعة العربية، الرسمية والشعبية، للنظام المصري، مثلما قادت الى تبادل السفراء والسفارات للمرة الاولى في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي بين دولة لعبت دورا قياديا في هذا الصراع وقدم شعبها آلاف الشهداء، وبين دولة عبرية احتلت اراضي عربية والحقت هزائم مذلة بالعرب. ولا نعرف الى اين ستؤدي هذه الحملة الاعلامية السعودية الحالية، وما هو الغرض الكامن من ورائها.
 
المنهج السعودي في العمل السياسي يختلف كليا عن نظيره 'الساداتي'، وان كانا ينتميان الى المدرسة الامريكية نفسها بطريقة او بأخرى. فالرئيس السادات اعتمد اسلوب الصدمة، وعنصر المفاجأة، وتوجه بطائرته الى مطار بن غوريون في تل ابيب ضيفا على الحكومة الاسرائيلية، ومتحدثا في الكنيست عن مشروعه للسلام. اما نظيره المنهج السعودي فيميل الى التدرج، والتريث، والخطوات الصغيرة وصولا الى الخطوات الاكبر، بسبب حساسية وجود الاماكن المقدسة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وعدم وجود اراض سعودية محتلة تبرر الرغبة في استعادتها فتح حوارات وتطبيعا، مثلما هو حال مصر والاردن وسورية والطرف الرسمي الفلسطيني بطبيعة الحال.
فاللقاءات السعودية ـ الاسرائيلية بدأت سرية على مستوى القادة الامنيين البارزين في عواصم عربية واجنبية، في تواز ملحوظ مع لقاءات علنية مع قيادات روحية يهودية في الولايات المتحدة، تمخضت عن دعوة بعضها لزيارة المملكة في اطارات متعددة، من بينها حوار الاديان، ولكن اول لقاء علني 'غير رسمي' جرى في مدينة اكسفورد في اطار ندوة نظمتها مجموعة اكسفورد للعمل، برئاسة الناشطة البريطانية غبرائيل ريفكند، المقربة من تل ابيب، تحت عنوان 'تحريك' مبادرة السلام العربية، وشارك فيها الامير تركي الفيصل قائد الاستخبارات السعودي والسفير السابق في واشنطن ولندن، والجنرال داني روتشيلد منسق الاستيطان السابق في الحكومة الاسرائيلية، الى جانب سفراء ومسؤولين امنيين عرب سابقين.
ولعل الدورة الأخيرة لحوار الأديان التي انعقدت في نيويورك بدعوة من العاهل السعودي وبمشاركة شمعون بيريس الرئيس الاسرائيلي على رأس وفد كبير ضم السيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية، وعدداً كبيراً من القادة العرب والأجانب، هي أحدث حلقات التقارب السعودي – الأسرائيلي، وان كانت المصافحة المتوقعة بين العاهل السعودي ونظيره الاسرائيلي لم تتم أمام عدسات التلفزة مثلما كان متوقعا.
فإذا كانت هناك رغبة رسمية سعودية في اقامة اتصالات مع الاسرائيليين، سواء تحت مظلة تحريك مبادرة السلام السعودية الأصل، أو حوار الأديان، ولأسباب تتعلق بالمتغيرات في المعادلات الاستراتيجية في المنطقة بسبب بروز ايران كقوة كبرى، وتراجع العراق كعامل توازن بعد غزوه واحتلاله أمريكياً، فان السؤال هو عن الأسباب التي تدفع بعض الكتاب السعوديين لتحميل القضية الفلسطينية ما لا يمكن تحميله، وتحويلها إلى كبش فداء لتبرير هذا التوجه الجديد وغير المسبوق. 
فعندما يوحي الدكتور تركي الحمد، وآخرون ان الاهتمام بالقضية الفلسطينية وجعلها القضية المركزية الأولى جاءا على حساب التنمية وحقوق الانسان والتعليم. وغيرها من القضايا الحياتية الهامة، فإن في ذلك مغالطة كبيرة لا يمكن المرور عليها دون تفنيد ورد. فآخر حرب خاضها العرب تحت مسمى تحرير فلسطين كانت قبل 35 عاماً. وبعدها بسنوات، وبالتحديد منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد، جرى اسقاط الخيار العسكري كليا، وشاهدنا دولاً عربية تستغل اتفاق أوسلو المرحلي الذي جاء بعد حصار وعزلة قاتلة لمنظمة التحرير، لتوقيع معاهدات سلام مع الدولة العبرية. فلماذا لم يتوقف انتهاك حقوق الانسان وتعم العدالة والديمقراطية والمساواة والقضاء المستقبل؟
 
وربما يفيد التذكير انه عندما كانت الحكومات العربية ملتزمة بقضية فلسطين، وتدافع عن الحق العربي في مواجهة المغتصب الاسرائيلي، كان التعليم أفضل، والاقتصاد أقوى، والمستشفيات أكثر نظافة، ومعدلات البطالة والأمية أقل، والفساد في أدنى مستوياته. وحتى نكون علميين نضرب مثلاً بالأوضاع في مصر، ففي أوائل السبعينات، وبعد اشهر من تولي الرئيس السادات الحكم خلفاً للراحل جمال عبد الناصر، كانت الصحافة تتندر بنقص الفراخ في الجمعيات، وتنشر الرسوم الكاريكاتورية عن طوابيرها. الآن وبعد ثلاثين عاماً على السلام واتفاقات كامب ديفيد تنشر الصحافة نفسها رسوماً ساخرة عن طوابير الخبز، وتحول الجيش المصري إلى جيش من الخبازين وموزعي الأطعمة، وادارة معامل تربية الدواجن وصنع أعلافها.
أزمات التعليم والخدمات الطبية وارتفاع معدلات البطالة والنقص الحاد في المياه، وانعدام وجود شبكة مجار في مدينة كبرى مثل جدة، واتساع نطاق مدن الصفيح والفقر حول الرياض، هذه الأزمات كلها ليست بسبب قضية فلسطين وانشغال الحكومة السعودية بها وتقديمها على قضاياها المحلية، وانما بسبب الفساد وسوء الادارة، وصمت الكتاب عن الحديث بجرأة عن القضايا الحقيقية في البلاد.
 
نحن لا نصادر حق الآخرين في التعبير عن آرائهم بحرية مطلقة، بل نرحب بذلك ونحترمه، حتى لو تناولت قضايا تحظى بإجماع عربي مثل مركزية القضية الفلسطينية، لكن ما نرى حقاً علينا تفنيده هو المغالطة، وتزوير الحقائق، بطريقة تفتقد الى العلمية والموضوعية. فإذا كان بعض فقهاء المدرسة الليبرالية الجديدة يريدون التطبيع وغسل أيديهم من هذه القضية فليفعلوا، وهذا زمانهم على اي حال، دون الهجوم على الفلسطينيين والعمل على تهميش قضية وطن ومقدسات وقيم عربية واسلامية، سقط آلاف الشهداء العرب والمسلمين دفاعا عنها، وما زالوا، بالطريقة التي نشاهدها هذه الايام.
بعض هذه الاجتهادات المتبنية للمشاريع الامريكية في المنطقة، والمروّجة لها، والتي يمارس اصحابها كل انواع الارهاب الفكري ضد مخالفيها، ادت الى الوضع المزري الذي يعيشه العراق، وما تمخض عنه من مقتل مليون ونصف المليون عراقي وإحداث خلل استراتيجي كارثي لمصلحة النفوذ الايراني المتصاعد، وهو النفوذ الذي يريدون محاربته حالياً من خلال تكوين تحالف مع اسرائيل.
ان أخطر ما نراه حالياً على الساحة الفكرية العربية هو محاولة البعض تحويل ايران الى عدو، ونقل اسرائيل من خانة الاعداء الى خانة الاصدقاء، واغراق المنطقة العربية، بل والعالم الاسلامي بأسره، في حرب طائفية مذهبية دموية ربما تمتد لعقود ان لم تكن لقرون مقبلة، بسبب الخوف من القوة الايرانية النووية والعسكرية المتنامية.
ما يحز في النفس ان هذه الاصوات تتعالى في وقت يتعرض فيه مليون ونصف المليون انسان في قطاع غزة للحصار والتجويع والقتل بالصواريخ الاسرائيلية، هؤلاء الذين يضربون مثلاً في المقاومة ورفع راية العقيدة الاسلامية في مواجهة الأصدقاء الجدد لبعض الليبراليين العرب.
النشطاء الأجانب يركبون البحر لكسر الحصار والتضامن مع هؤلاء المحاصرين، وبعض الكتاب العرب يتحامل على الصامدين ويحملهم وقضيتهم مسؤوليات أعمال حكومات فاسدة ومستبدة.